ابن عمى ٢

امانى سيد

قفلت باب مكتبي وقعدت على الكرسي، وجسمي كله كان شادد وكأني في معركة حربية. مسكت القلم وفضلت أخبط بيه على المكتب بانتظام، والصوت بيعمل صدى جوه دماغي، بيطرد أي فكرة ضعف أو تراجع.

رانيا برا أكيد زمانها جريت على منير تقوله، وهو دلوقتي قاعد بيخطط هيقفل عليا السكة ازاي عند أبوه. بس هما الاتنين ميعرفوش إني مش هروح أعيط لعمي وأقوله الحقني ابنك باصص برا.. أنا هروح ألعب على الوتر اللي عمي نفسه بيترعش منه: **سمعة العيلة، وفلوس الشغل.**

لميت حاجتي في الشنطة، ووقفت بكل ثبات، خرجت من المكتب وراسي في السماء. رانيا كانت واقفة على أول الممر بتتوشوش مع موظفة تانية وعينيهم عليا، أول ما شافتني قربت، حطت إيدها في وسطها وبصت لي بتحدي. مشيت من جنبها وكأنها هوا، ولا حتى رميت عليها نظرة، وده في حد ذاته خلاها تتغاظ وتفرك في مكانها.

نزلت ركبت عربيتي، وطول الطريق وأنا باصة للطريق قدامي، وعقلي شغال زي الآلة الحاسبة. منير فاكر إن العقد اللي معاه مخليه مالك الشركة.. بس هو نسي إن عمي لسه عايش، وإن التنازل عن الإدارة مش معناه بيع وشراء، ده توكيل إداري مشروط! وعمي مش هيستحمل فكرة إن ابن السكرتيرة يورث نصيب العيلة، أو إن السكرتيرة تبقى هي الهانم اللي بتتحكم في شقى عمره.

وصلت قدام فيلا عمي. نزلت من العربية، قفلت الباب ورايا برزعة قوية، ودخلت. الشغالة فتحت لي وبصت لي باستغراب:

“أهلاً يا هانم.. منير بيه مش هنا.”

قولت لها بنبرة حاسمة وصارمة:

“عارفة إنه مش هنا.. أنا جاية لعمي.. هو فين؟”

“في المكتب بتاعه يا فندم، بيشرب القهوة.”

مشيت في الطرقة الطويلة لحد باب المكتب. خبطت ودخلت علطول. عمي كان قاعد وراه مكتبه الخشب الضخم، لابس نظارة القراءة وبيراجع ورق، أول ما شافني، وشه نوّر وابتسم ابتسامته الأبوية اللي كنت بصدقها:

“أهلاً يا بنتي.. خطوة عزيزة، منير فين؟ مجاش معاكي ليه؟”

قربت من المكتب، قعدت على الكرسي اللي قدامه بكل هدوء، حطيت شنطتي على الأرض، وسندت كوعي على المكتب وبصيت في عينيه مباشرة. ملامح وشي الجادة وخلوها من أي ابتسامة خلت عمي يقلع النظارة ويعدل قعدته بقلق:

“في إيه يا بنتي؟ وشك ما يبشرش بالخير.. منير زعلك؟”

خدت نفس طويل، وقولت له بصوت هادي ومخيف من كتر الثبات اللي فيه:

“منير مزعلنيش يا عمي.. منير دبحنا إحنا الاتنين. دبحك في ثقتك وفلوسك، ودبحني في كرامتي.”

عمي اتنفض من على الكرسي وصوته علي:

“جرى إيه يا بت؟ اتكلمي دغري.. في إيه؟”

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *