بعد موت امى ٢

امانى السيد

خرجت عمتي للصالة وهي بتلطم على وشها بهستيرية، ودموعها نازلة بتمسح مكياج الفرح اللي كانت لسة حطاه. جوزي — اللي كان واقف قدام المراية بيظبط كرافتة البدلة — اتسمّر في مكانه، ووشه اتحول للون الإخضر في ثانية. جِري على أوضة أمه وهو مش مصدق، وبدأ يقلب في الدولاب ويرمي الهدوم على الأرض وهو بيزعق: “فين الفلوس يا أمي؟ فلوس القاعة والمؤخر والمصاغ! فين الدهب؟! أنتِ مستوعبة إحنا فرحنا كمان ساعتين وأهل العروسة على وصول؟!”.

البيت كان مليان بناس من قرايبنا والجيران اللي جايين يباركوا، وفجأة الفرح اتقلب لمناحة. عمتي قعدت في الأرض تصوت وتقول: “الشقة مفيهاش كسر باب ولا شباك! محدش دخل هنا غريب.. مفيش غيرها!”، وشاورت بإيدها المرتعشة عليا.

كل العيون في الصالة لفت وبصت لي. كنت واقفة في زاوية جنب المطبخ، ملامحي هادية تماماً، ومثلت الخضة والخوف ببراعة عمري ما تخيلت إني أملكها. حطيت إيدي على صدري وقولت بصوت مرعوب ودموع مصطنعة: “أنا يا عمتي؟! حرام عليكي، أنا هسرقك إزاي وأنا م بخرجش من البيت؟ وأروح فين بالفلوس والدهب وأنا ماليش حد في الدنيا!”.

جوزي جِري عليا وزقني في الحيطة بكل قوته، لدرجة إن ضهري وجعني، ومسكني من رقبتي وهو بيجأر زي الديب: “والله العظيم لو طلعتِ أنتِ اللي خبيتي الحاجه لأكون دافنك هنا وعامل فرحي عليكي جنازة! أنطقي.. الفلوس فين؟! فتشتي الدولاب إمتى؟!”.

نزلت على رجلي وبدأت أعيط وأصرخ: ” فتشوا الأوضة.. فتشوني أنا.. فتشوا المطبخ! لو لقيتوا معايا حاجة موتونى!”. كنت واثقة ومطمنة، لأن الكيس الأسود مكنش في الأوضة، ومكنش في مكان ظاهر. هما فعلًا سابوني وبدأوا يفتشوا بهمجية؛ دخل جوزي وأمه وأخواتي اللي كانوا وصلوا الفرح، وقلبوا الأوضة اللي بنام فيها.. رفعوا المرتبة، فتشوا الهدوم القديمة، ودخلوا المطبخ ورموا الحلل والأطباق في الأرض، لكن من ربكة عمتي وصدمتها مكنتش شايفة قدامها، وجوزي كان عقله طار من فكرة “الفضيحة” اللي مستنياه قدام نسايبه الجداد، فمحدش ركّز في كيس الزبالة القديم المركون ورا الأنابيب والكراكيب اللي تحت الحوض في عتمة المطبخ.

مالقوش حاجة. عمتي بدأت تصرخ: “الفلوس مش هنا! البت دي غسلت يديها وهرّبت الحاجه لحد بره.. اتصل بأبوها يجي يشوف المصيبة دي!”.

نص ساعة وبابا وصل، لابس العباية الجديدة وبيمسح عرق الصدمة من على وشه. أول ما دخل وشاف عمتي بتلطم وجوزي هيدمر الشقة، بصلي بنظرة كلها غل وجري عليا ضربني بالقلم وقال: “سودتي وشي قدام أختي؟ وكمان بتسرقي في يوم فرح ابنها؟! وديتي الفلوس فين يا مقصوفة الرقبة؟!”.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *