بعد موت امى ٢
امانى السيد
وقعت على الأرض، ورفعت عيني وبصيت له.. النظرة دي مكنتش نظرة طفلة مكسورة، كانت نظرة حد كشف اللعبة كلها. قومت وقفت على حيلي، ومسحت الدم من شفتي، ولأول مرة صوتي مكنش واطي، صوتي كان قوي وهادي، هدوء ما قبل العاصفة.
بصيت لبابا وقولت له: “أنا مسرقتش حد يا بابا.. أنا أخدت حقي”.
الصالة كلها سكتت. عمتي وقفت لطم وجوزي قرب مني وهو بروق دمه وقال: “حق إيه يا بت أنتِ؟! أنتِ حيلتك حاجة؟ ده أنتِ عايشة بجميلنا ولقمتك من خيرنا!”.
ضحكت ضحكة عالية، ضحكة خلتهم كلهم يترعبوا من شكلي. مشيت بخطوات ثابتة للمطبخ، ومحدش قدر يمنعني من ذهولهم. مديت إيدي ورا الأنابيب وسحبت الكيس الأسود. طلعت منه ورقة التنازل المزورة، ورفعتها في وش بابا وعمتي.
أول ما بابا شاف الورقة، وشه اتقلب ألوان، والعباية بدأت تترعش من ركبته اللي مش شايلَاه. قولت له بصوت مسموع للكل: “الورقة دي عليها إمضتي المزورة.. الإمضاء اللي أنت وعمتي زورتوها وأنا عيلة صغيرة بعد موت ستي، عشان تاخدوا نصيب أمي في البيت والفلوس اللي ستي كانت شايلاها ليا.. كنتوا فاكرين إني هفضل طول عمري الخدامة اللي بتاكل بواقي أخواتها وبتشيل قرفكم وهي ساكتة؟!”.
التفتّ لجوزي اللي كان واقف مبرق، وقولت له: “أنا مخدتش فلوس فرحك.. أنا أخدت ورثي اللي أمك وأبويا سرقوه مني، والدهب ده بتاع أمي اللي عمتي أخدته من ورايا.. الفلوس دي فلوسي، والبيت ده نصيبه ليا، والشقة اللي فوق دي بفلوس أمي أنا!”.
عمتي صرخت: “أنتِ كدابة! دي ورقة ملهاش لازمة، الفلوس دي شقا ابنها ومقدم العروسة!”.
رديت عليها بثقة: “الورقة دي هتروح للنيابة والطب الشرعي الصبح يا عمتي، وهثبت إنكم زورتوا حقي وسرقتوني.. والفلوس والدهب معايا ومش هتشوفوا منهم مليم واحد.. وريني بقى هتعمل الفرح إزاي يا عريس يا لُقطة، وهتقول لأهل العروسة إيه لما يسألوك عن المؤخر والشبكة وفلوس القاعة اللي المفروض تدفعها بعد ساعة!”.
جوزي اتقدم عليا وعينه كلها شر، ورفع إيده عشان يضربني ويموتني وياخد الكيس، لكن في اللحظة دي بالذات.. الباب خبط خبط ورزع قوي ورا بعضه.
أخويا فتح الباب وهو مرعوب، ودخل أبو العروسة وأخوها الكبير، ووشوشهم مكنتش تبشر بخير أبدًا. أبو العروسة بص لجوزي ولعمتي وقال بنبرة حادة هزت الشقة: “إحنا واقفين تحت بقالنا ساعة مستنيين العربيات والمواكب، والكوافير بيتصل بيقول الحساب مدفعش والعروسة محبوسة جوه.. إيه المهزلة دي؟! وفين الشبكة والدهب اللي قولتوا هنجيبهم من الشقة وننزل؟!”.