انا الملك وهى الجاريه ٣
قصص وروايات أمانى سيد
فضلت مرمي على أرضية الحجز ليلتها، مش قادر أتحرك، وجسمي كله حتة واحدة بتوجعني. الكلابشات في إيدي، والدموع اللي كنت بتمزج وأنا شايفها محبوسة في عين ناهد، نزلت مني أنا الليلة دي مغرقة تراب الزنزانة. لأول مرة أدوق طعم الذل الحقيقي، ولأول مرة أفهم إن القوة اللي كنت مفكرها في إيدي كانت مجرد وهم أنا عشته على حساب غلبها.
تاني يوم الصبح، سحبوني وأنا بجر رجلي ورايا عشان أتعرض على النيابة. كنت ماشي وسط العساكر وعيني في الأرض، خايف المح وش حد أعرفه، خايف من نظرة الشماتة اللي كنت بوزعها ببلاش على ناهد قدام الناس.
أول ما وصلت سرايا النيابة، لقيت المحامي بتاعي واقف، وجنبه أخو ناهد الكبير. جريت عليه بلهفة وكنت بنطق بالعافية من ورم شفايفي: “إلحقني يا أبو نسب.. خلي ناهد تتنازل، أنا اتبهدلت جوة والظالم والمظلوم علموا عليا!”
أخوها بص لي بنظرة كلها قرف، ومسكني من ياقتي براحة وقال بصوت واطي ومسموع:
“تتنازل؟ ده بُعدك يا سامح. ناهد خلاص فكت العمل اللي كنت عاملهولها، والتقرير الطبي اللي معاها يوديك ورا الشمس. إحنا مش جايين عشان نتنازل.. إحنا جايين نبلغك إن قضية الطلاق اترفعت النهاردة الصبح، وقضية النفقة والتبديد في السكة.”
المحامي بتاعي وطى راسه في الأرض وقال لي بنبرة يائسة: “الموقف صعب وصباعك تحت ضرسهم يا سامح، والمحضر اللي معمولك في القسم مع التقرير الطبي مخلّي موقفنا في النيابة ضعيف جداً.. أنت هتتحبس احتياطي على ذمة التحقيق.”
الدنيا اسودت في عيني، ووقعت من طولى على الكرسي اللي جنبي. شريط السنين كلها عدى قدام عيني في ثانية؛ افتكرت جارتنا، وافتكرت نظرات ندى بنت عمي الشمتانة، وافتكرت أمي وهي بتقولي “الراجل بجد هو اللي يكرم مراته”. كل الكبر والفرعنة والغرور اتهدوا فوق راسي، وبقيت أنا اللي واقف عاجز، عيني مكسورة، ومستني حكم القاضي عشان يكمل عليا الباقي.
جوه الحجز، الخوف أكل اللي باقي من عقلي. مكنتش شايف قدامي غير الضلمة، والكلابشات اللي في إيدي بقت زي القيد اللي كاتم على نفسي. طلعت عيني عشان عسكري يرضى يخليني أعمل مكالمة واحدة من تليفون القسم.. ومكنش في دماغي غير أمي؛ هي الوحيدة اللي تقدر تلم الليلة، تروح لناهد، تبوس على راسها، وتخليها تيجي تتنازل عن المحضر وتنقذني من المستنقع ده.
طلبت الرقم وإيدي بترتعش، وأول ما سمعت صوتها، صرخت بلهفة ودموعي نازلة:
“ألو.. الحقيني يا أمي! أنا محبوس في القسم وخدت علقة موت، والنيابة هتجدد لي حبس. روحي لناهد يا أمي، خديها في حضنك وخليها تيجي تتنازل، أنا بتموت هنا!”
الناحية التانية كان فيه سكون قاتل. مسمعتش صوت شهقة ولا خضة، مفيش غير نفس طويل وبارد، وبعدها صوت أمي طلع مليان قسوة وأسى وهدوء غريب جمد الدم في عروقي. قالت لي:
“أروح لمين يا سامح؟ أروح للغلبانة اللي أنت دليتها وكسرت نفسها قدام الغريب والقريب؟”
صوتي اتخنق وقلت لها: “يا أمي أنا ابنك! هوني عليا، أنا اتهنت جوة!”
ردت عليا بنبرة حاسمة وقاطعة:
“أنت اللي هنت نفسك يا ابني لما استقويت على ولية مالهاش ضهر غيرك. أنا حذرتك كذا مرة، وفضلت أنصح فيك وأقولك اتقي الله في بنت الأصول، وأخرها كان يوم العزومة لما قطعت بيا وكسرت بخاطرها عشان خاطر بنت عمك.. بس أنت كان التعالي عميك ومكنتش بتسمع غير لنفسك ونقصك. ناهد مش هتمشي خطوة واحدة للقسم، وأنا مش هرفع سماعة تليفون عليها أصلاً.”
نزلت الكلمة عليا زي الصاعقة، صرخت: “يعني ه تسيبيني هنا يا أمي؟!”
قالت لي بقلب وجيع بس صلب:
“أهو أنت قُلتها.. شيل شيلتك يا ابن بطني، والي زرعته بايدك احصده لوحدك. ربنا يهديك.”
الخط قطع.. الصوت اختفى ومبقاش فيه غير زنة التليفون البايخة. بصيت للعسكري وأنا مبلّم، والدموع مغرقة وشي المورم. التليفون وقع من إيدي، وحسيت إن الدنيا كلها فضيت من حواليا. أمي اللي كنت فاكرها هتشيلني، نفضت إيدها مني؛ والكل سابني أواجه مصيري لوحدي في الضلمة، وبقيت أنا اللي عيني مكسورة بجد، ويدوب مستني العسكري يسحبني ويرجعني الزنزانة تاني وأنا ماليش قيمة ولا ضهر.
الشهور اللي قضيتها ورا القضبان كانت أطول وأقسى شهور مرت في حياتي، بس القسوة الحقيقية ما كانتش في جدران الحجز ولا في لمت المساجين حواليا.. القسوة كانت في الأخبار اللي بتوصلي من برة عن “ناهد”.
ناهد ما قعدتش تبكي على الأطلال، ولا اكتفت بالمحضر؛ دي شمرت إيديها وبدأت معركة قانونية منظمة بالمسطرة، وكأنها كانت دارسة كل خطوة من سنين ومستنية اللحظة الصح. المحامي بتاعي كان بيجيلي الزيارة وشه جايب ألوان، يرمي الورق قدامي ويقولي بقلة حيلة:
“مراتك مابتضيعش وقت يا سامح.. رفعت قضية خلع وكسبتها في وقت قياسي بسبب التقارير الطبية ومحضر الحجز، ومش بس كده، دي حجزت على الشقة بتمكين، وأخدت حكم بنفقة متعة مؤخر، وقضية تبديد المنقولات (القايمة) هتحبسك تاني لو ما سددتش تمنها كاش.. الست قفلت عليك كل الأبواب وقانوناً أنت اتفرمت، وخصوصاً إن مفيش بينكم عيال يربطوها أو يخلوا العيلة تتدخل للصلح.”
كنت بسمع الكلام ده وأنا بفرك إيدي بقلة حيلة، بس الضربة القاضية اللي قطعت خلفي ما كانتش القانون.. الضربة كانت في “شرفي ورجولتي” وسط الناس.
في يوم، جالي ابن عمي يزورني، كان بيبص لي بنظرة غريبة، نظرة فيها خجل وكسوف وعينيه مش جاية في عيني. سألته بلهفة: “في إيه يا حازم؟ برة الشارع بيقول إيه؟ وأمي عاملة إيه؟”
حازم سكت، فرك إيده وقال بصوت واطي وهو بيموت من الكسوف:
“مراتك خربت بيتك يا سامح.. ناهد ما سابتش حد في المنطقة، ولا في العيلة، ولا حتى أصحابك في الشغل إلا ووصلت لهم كلام خلى وشنا كلنا في الأرض.”
سندت على السلك وقلت برعب: “كلام إيه؟ ما كله عارف إني ضربتها!”
حازم بلع ريقه وقال: “الناس كلها دلوقتي بتتكلم وتقول إنك كنت بتستقوى عليها وتضربها وتذلها بالمنظر ده.. لأنك ‘عاجز جنسياً’ وما بتعرفش تبقى راجل معاها في الأوضة المقفولة، وبقوا يقولوا إن ده السبب الحقيقي لإنكم ما خلفتوش طول سنين جوازكم! طلعت الإشاعة دي وكل الناس صدقتها، وبقوا يقولوا إن عقدة النقص اللي عندك وعجزك هما اللي كانوا بيخلوك تكسر عينها قدام الناس عشان تداري خيبتك الذكورية وتثبت لنفسك إنك مسيطر!”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، حسيت بركبي سابت والدنيا لفت بيا. ناهد ما كسرنيش بس بالقانون، دي داست على الحتة اللي كنت ببني فيها رجولتي المزيفة. الإشاعة دي كانت ألعن من الحبس ميت مرة.. خلت كل نظرة شماتة كنت ببصها لها زمان، ترجع لي أضعاف مضاعفة من أصغر عيل في الحارة لغاية أكبر راجل في العيلة.
حتى ندى بنت عمي، عرفت بعد كده إنها قاطعت سيرتي وبقت تقرف لما حد يجيب اسمي قدامها. ناهد ردت لي القلم قلمين، وحطت عيني في الأرض العمر كله، وبقيت قاعد في زنزانتي، مش بس مسجون وجسمي متبهدل.. لأ، بقيت مسجون وسمعتي في الأرض، وعاجز بجد عن إني أرفع عيني في وش أي مخلوق.
بعد ما حازم مشي وسابني، حسيت إن جدران الحجز بتطبق على نفسي. الكلام اللي قاله كان بيلف في دماغي زي الإعصار، بياكل في اللي باقي من كرامتي. “عاجز جنسياً”.. الكلمة كانت بتخترق ودني وتخليني عايز أصرخ وأهد الحيطة، بس مكنش في إيدي أي حاجة أعملها. الغرور اللي عيشت بيه السنين اللي فاتت اتهد بالكامل، وبقيت مجرد ج*ثة هامدة قاعدة في ركن الزنزانة.
المساجين حواليا نظراتهم اتغيرت؛ اللي كان بيبص لي على إني راجل مفتري وجاحد، بقى بيبص لي بنظرة سخرية وقرف، كأني ملقح ملوش أي لزمة. الهمس واللمز مكنش بيبطل، وكل ما اتنين يوشوشوا بعض ويبصوا ناحيتي، كنت بحس بنار بتولع في دمي، بس كنت ببلع جزمتي وأسكت، الخوف من علقة جديدة كان مخرسني تماماً.
مرت الأيام لغاية ما جه ميعاد الجلسة. خرجت من عربية الترحيلات والكلابشات في إيدي، عيني كانت في الأرض ومكنتش قادر أرفعها خطوة واحدة. أول ما دخلت قاعة المحكمة، عيني جت في عينها غصب عني.
ناهد كانت واقفة جنب أخوها والمحامي بتاعها.. ملامحها كانت متغيرة تماماً؛ الوش الباهت، المكسور، اللي عليه علامات الخوف والذل اختفى. كانت واقفة ليد رِجل، لابة ومظبطة نفسها، وفي عينيها نظرة قوة عمري ما شفتها فيها طول سنين جوازنا. بصت لي من فوق لتحت ببرود، ومن غير حتى ما تظهر أي شماتة، كأني بالنسبالها بقيت مجرد حشرة أو دبانة ملهاش عازة.
المحامي بتاعها قدم للمحكمة كل المستندات، والتقرير الطبي، وصورة محضر الحجز، وبدأ يتكلم بثقة:
“سيادة القاضي، موكلتي عانت الأمرين مع المتهم، وطالبة الخلع لعدم قدرتها على الاستمرار في حياة مهددة فيها بالقت*ل، فضلاً عن الأسباب الحقيقية التي دفعت المتهم للبطش بها لمواراة عيب شرعي ونقص عجز عن إثبات عكسه طوال سنوات الزواج.”
القاعة كلها همست، وأنا حسيت إن وشي بيتحرق من الخجل والمهانة. المحامي بتاعي حاول يتكلم ويدافع، بس الموقف كان مقفول بالضبة والمفتاح، والأدلة كبست على نفسنا. القاضي بص في الورق، وهز راسه، ونطق بالحكم:
“حكمت المحكمة بقبول دعوى الخلع، وتطليق المدعية طلقة بائنة، مع إلزام المدعى عليه بالمصاريف، وإحالة الشق الجنائي لمحكمة الجنح.”
أول ما الحكم نطق، ناهد لفت ضهرها ومشت براحة بثقة من غير ما تبص وراها، وأنا العسكري شدني من إيدي ورجعني على الممر. في اللحظة دي، وأنا بتسحب زي الذبيحة، فهمت إن ناهد مش بس خدت حريتها وحقوقها.. دي سابتني عايش ميت، مسجون جوه زنزانتي، ومسجون جوه الفضيحة والعار اللي هيفضلوا ملاحقيني لآخر يوم في عمري.