دور كرونا ٢
قصص وروايات أمانى سيد
في يوم، لقيت باب الأوضة بيتفتح ببطء، ومرام طلعت.. كانت لسه شاحبة ووشها فيه إرهاق باين، بس كانت واقفة على رجليها، وشايلة ابنها الصغير اللي كان بيضحك لي لأول مرة من ساعة ما جيت. وقفت قدامي، وبصت لي بصه طويلة، مفيش فيها غضب، لكن فيها هدوء غريب بيخوف أكتر من العتاب.
حاولت أقوم من مكاني، بس رجلي خذلتني، ففضلت قاعدة وبصيت لها بدموع محبوسة:
ـ “مرام.. حمد لله على سلامتك يا بنتي.. أنا.. أنا مش عارفة أقول إيه.”
قربت مني وقعدت على الكرسي اللي قدامي، حطت ابنها جنبها، وبصت لي بنبرة هادية جداً:
ـ “الحمد لله يا ماما.. ربنا نجانا، ونجى الولاد. إحنا خلاص بنتحسن، وأهلي قالوا إن مفيش داعي للممرضة من بكرة.”
سكتت لحظة، وبعدين كملت وهي بتبص في عيني مباشرة:
ـ “ماما، أنا مش عايزة أفتح مواضيع قديمة، ولا عايزة ألومك تاني، لأني شفت الموت بعيني، وشفت ولادي وهما بيتوجعوا، وكل ده كان أهون بكتير من إني أفقد الثقة في اللي حولي. اللي حصل كان درس قاسي لينا كلنا، وأنا بجد.. سامحتك عشان خاطر ولادي، وعشان خاطر جوزي اللي مش عايزه أشيله هم أكتر من اللي هو فيه.”
كلماتها نزلت على قلبي زي المية الساقعة. مكنتش مستنية “سماح” بالسهولة دي، كنت مستنية صد، أو قسوة، أو حتى طرد، لكن طيبتها دي كبرت جرحي أكتر.
قمت وقربت منها، وخدتها في حضني، ودموعي أخيراً انفجرت. كنت بعيط مش بس على غلطتي، لكن على الإنسانة النضيفة اللي أنا كنت بكسرها وبطالبها بواجبات وهي شايلة البيت بدم قلبها. قالت لي وهي بتطبطب على كتفي:
ـ “خلاص يا ماما، خلينا نبدأ صفحة جديدة. البيت محتاج يرجع يلمنا، ومحتاجين ننسى الأسبوعين اللي فاتوا دول كأنهم كابوس وراح.”
ساعتها عرفت إن مرام ما كانتش بس مرات ابني، دي كانت “عمدان البيت” اللي أنا كنت فاكرة إنها من غيرهم البيت هيقع، وهي بجد اللي شالت البيت في أصعب وقت. قررت من جوايا إني لازم أغير طريقتي تماماً، ولازم أعرف إن البيت ده مش “ملك” لفلوس ابني، لكن ملك “للمودة والرحمة” اللي مرام هي اللي بتزرعها في كل ركن فيه.
بدأت تساعدني أقوم ونمشي سوا في الشقة، والبيت بدأ يرجع يضحك تاني، بس أنا كنت عارفة إني محتاجة وقت طويل عشان أصلح “الصورة” اللي مرام خدتها عني، وعشان أستاهل فعلاً الكرم والستر اللي ربنا كافأني بيه رغم غلطتي الكبيرة.
عدت الأيام، والبيت رجعت له روحه تانية، كأن الغيمة السوداء اللي غطت عليه اتكشفت وطلعت الشمس من جديد. مكنتش بمر بس بفترة نقاهة من المرض، كنت بمر بمرحلة “شفاء” من قسوة قلبي. مرام كانت بتتعامل معايا بـ ودّ غريب، ودّ مش نابع من الواجب، بس نابع من صفاء قلبها اللي اختارت تغفر بيه عشان البيت يفضل عامر.