مراتى وحبيبتى الجزء الثالث

قصص وروايات أمانى سيد

عدى الشهرين زي الكابوس، شهرين كنت فيهم بدوّامة محاكم ومشاكل مالهاش أول من آخر. في النهاية، صدر الحكم لصالح ياسمين بالطلاق للضرر، وخدت كل حقوقها، وخرجت أنا من “بيتي” مهزوم ومكسور، بلف ورا المحامين وبحاول ألملم بقايا حياتي اللي اتفتت.
أما حياتي مع رانيا، فطلعت جحيم من نوع تاني. البيت اللي كنت فاكره مكان للاستقرار، بقى حلبة مصارعة يومية. رانيا، اللي كنت فاكر إن “صوتها العالي” وشخصيتها المنطلقة ميزة، اكتشفت إنها عيب قاتل. أي حاجة صغيرة، أي كلمة، أي تأخير، بيتحول لخناقة بتسمع الجيران، وصريخ، وتكسير، واتهامات.
مفيش راحة، مفيش “ياسمين” اللي كانت بتستقبلني بابتسامة، ولا بيت نضيف، ولا هدوء. رانيا كانت بتضغط عليا مادياً عشان نعيش في مستوى هي رسماه في خيالها، وأنا كنت بشتغل ليل نهار عشان أرضيها، وبرضه مفيش فايدة. كانت دايمًا بتلومني إني لسة بفكّر في “الماضي”، وإني “مش عارف أبدأ معاها صفحة جديدة”.
بقت حياتنا عبارة عن صراخ، وخصام، ومحاولات مني إني “أراضيها” زي ما كنت بعمل وأنا لسه بعرفها، بس المرة دي كان “الرضا” ده مكلف جداً، وبياخد من صحتي وأعصابي. بقيت أرجع البيت وأنا مش طايق نفسي، بفتح الباب وأنا خايف من “نوبة غضب” تانية.
في وسط النكد ده، كنت بفتكر ياسمين.. بفتكر إزاي كانت شايلة البيت، شايلة بنتي، وشايلة همومي من غير ولا كلمة. كنت بفتكر نظراتها في المحكمة، نظرة “الانتصار” اللي مش نابعة من فرحة، لكن نابعة من خلاصها مني. أنا اللي كنت فاكر إني “ملك” وبمسك الدنيا بإيدي، اكتشفت إن اللي مسكته بإيدي كان “سراب”، وإن حقيقة حياتي هي الضياع اللي أنا عايش فيه دلوقتي بين جدران بيت مش عارف ألاقيه فيه غير الصوت العالي والتعاسة.
قررت أخيراً، بعد ما شفت الويل مع رانيا، إني أحاول أصلح اللي انكسر. روحت لياسمين، كنت باني آمال إني هلاقيها لسه بتحبني، أو إنها هتحن لما تشوفني مكسور ومبهدل. وقفت قدام باب بيتها الجديد، قلبي كان بيدق زي الطبل، خبطت وأنا حاطط في بالي سيناريو “الاعتذار والعودة”.
فتحت الباب، بس مكنتش هي ياسمين اللي أعرفها. كانت واقفة بملابس شغلها، باين عليها التعب بس عينها بتلمع بنجاح وشغف، وكأنها أخيراً لقت نفسها اللي كانت مدفونة في بيتنا القديم. بصتلي من غير أي تعبير، لا كره ولا حب، كانت نظرة “حياد” هي أكتر حاجة وجعتني.
قلت بصوت متهدج: “ياسمين، وحشتيني.. البيت من غيرك ملوش طعم، وأنا بجد ندمان، رانيا مش زي ما تخيلت، ردي ليا البيت نبتدي من جديد”.
سكتت لحظة، وبعدين ضحكت ضحكة خفيفة مفيش فيها أي سخرية، كانت ضحكة حد بيشفق على طفل غلط، وقالتلي بصوت حازم: “أنت يا رأفت مش بتدور على ياسمين، أنت بتدور على ‘الراحة’ اللي كنت بتلاقيها عندي، بتدور على البيت اللي نضيف، وبنتك اللي متسرحة، والأكل اللي جاهز.. أنت بتدور على الخدامة اللي كانت بتشيل عنك، مش الزوجة اللي كانت بتحبك”.
حاولت أقطع كلامها وأمسك إيدها، بس بعدت عني بخطوة وقالت: “اللي كسرته يا رأفت، مبيتصلحش حتى لو حاولت تجمع قطعه. أنا اتعلمت أعيش لوحدي، وبنتي كبرت وشافتني قوية، ومش هسمح لنفسي ولا ليها إني أرجعك تاني عشان تكسرنا مرة تانية”.
حاولت ألح عليها، قلتلها: “أنا ممكن أطلق رانيا.. أنا بجد عايز أرجع”.
ردت بصد قاطع: “حتى لو طلقت الدنيا كلها، أنا مابقتش موجودة في المكان اللي أنت بتدور فيه. أنا لقيت نفسي بعد ما خرجتك من حياتي، وعرفت إن قيمتي مش في إن حد يختارني، قيمتي في إني أختار نفسي.. ارجع لرانيا، دي حياتك اللي أنت اخترتها، وبلاش تفتكر إنك تقدر ترجع للبيت اللي أنت هديته بإيدك”.
قفلت الباب في وشي بهدوء، ومسمعتش صوت بكاها زي ما كنت متخيل. مشيت في الشارع، وأنا حاسس بـ “الصد” الحقيقي.. مش صد الباب، بس صد قلبها اللي كان يوماً ما مالي الدنيا بحبي، ودلوقتي، مابقاش فيه مكان حتى للغفران. عرفت ساعتها إن “النشوة” اللي كنت حاسس بيها زمان، كانت هي تمن خسارتي الأبدية لكل حاجة حلوة في حياتي
عدت الأيام، وفي يوم وأنا مروح من شغلي في حالة من التشتت والوحدة، شفت ياسمين بالصدفة في مكان عام. كانت ماشية، وعلامات الراحة والسكينة واضحة على وشها بطريقة ما شفتهاش فيها طول سنين جوازنا. كان جنبها راجل، ملامحه هادية ومريحة، بيتعامل معاها بمنتهى الرقي، ماسك إيدها باهتمام، وبيضحك معاها ضحكات خالية من أي تكلف.
أكتر حاجة وجعتني وخلتني أقف مسمّر في مكاني، لما شفت بنتي ماشية معاهم، بتنط من الفرحة وهي ماسكة إيد الراجل ده، وهو شايلها وكأنه بيشيل أميرة، بيبصلها بحنية الأب اللي بجد، مش الأب اللي مشغول بسهراته وخرجاته. كان بيعامل ياسمين كملكة، والكل بيحسدهم على التناغم اللي بينهم، ياسمين اللي كانت بتدي بدون مقابل، لقيت أخيراً اللي بيقدرها ويديها الحب والتقدير اللي كانت تستاهله.
وقفت بعيد أراقبهم، حسيت بمرارة في حلقي. هو ده البيت اللي كانت بتتمناه، وهو ده الحب اللي كانت بتدور عليه، واللي أنا كنت بعتبره “أمر مفروغ منه” وبدوس عليه برجلي. ياسمين مش بس اتجاوزتني، ياسمين قدرت تبني حياة تانية، حياة فيها “أمان” و”احترام”، حاجات أنا دمرتها بيدي لما كنت فاكر إني بمتلك الدنيا.
مشيت من هناك وأنا حاسس إن الصورة اكتملت قدامي؛ ياسمين بقت ملكة في مملكة تانية، وبنتي لقت السند اللي كان ناقصها، وأنا بقيت مجرد ذكرى قاسية ومؤلمة للي فات. عرفت وقتها إن “النشوة” اللي كنت بفتخر بيها، كان تمنها إني خسرت أغلى ما أملك، وبقيت أنا الوحيد اللي واقف في الشارع، بتفرج على سعادة كانت ملكي، وضيعتها بغبائي.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *