ضحية نفسي ٥بقلم نورهان العشري

أخد نفس طويل عشان يجمع شتات نفسه، ومشى بخطوات مرعوبة ومترددة لحد ما وصل لباب الأوضة، وفتحه ودخل

كنت ساندة ضهري على السرير، ماسكة رواية وبقرأ فيها بكل هدوء. كنت في قمة الجمال لابسة بيجامة ستان نبيتي شيك أوي، وفاردة شعري الأسود الطويل على كتافي، وحاطة مسكرة خفيفة وملمع شفايف مخليني زي القمر وريحة البرفيوم المالي الأوضة تخطف العقل.

مصطفى أول ما شافني قاعدة مكاني ومتشيكة ومستقرة، وقف عند الباب وبلع ريقه بصعوبة، ونظراته كانت مرعوبة، دايرة بتفحص الأوضة والدولاب عشان يشوف في شنط هدوم ملمومة ولا لأ.. عينيه كانت مليانة خوف ولهفة وندم غريب أول مرة أشوفهم فيه طول الـ ١٧ سنة جواز.

قرب من السرير بخطوات مرتعشة، وقعد على الطرف وهو باصص لعيني مباشرة يحاول يقرا فيهم أي علامة للغضب أو الخيانة، وقال بصوت حذر، مهزوز، وطالع بالعافية:

ـ إيمان.. أنتِ صاحية؟

قلبت صفحة في الرواية بكل برود، ومن غير ما أرفع عيني الصراحة، قولت بنبرة ناعمة ورسمية جداً تفرس:

ـ اه يا مصطفى.. صاحية. حمد الله على السلامة.

مصطفى فرك إيديه ببعض، وصوته كان بيرتعش وهو بيحاول يرمي كلام عشان يعرف آخري إيه:

ـ الله يسلمك يا أم رؤية.. أنا.. أنا عرفت من أمي اللي حصل النهاردة.. وعرفت إنك سمعتِ كلامنا امبارح وإحنا بنتكلم ورا الباب؟

هنا بقا، رفعت عيني وبصيت له بنظرة حادة، قوية، وابتسامة غامضة خلت ركبه تسيب وعرقه يزيد.. قولت له بمنتهى الهدوء:

ـ اه يا مصطفى.. سمعت كل كلمة.. سمعتك وأنت بتقول لأمك إنك مش طماع في دهب مراتي وفلوس أمها.. وسمعت أمك وهي بتقول عليا هبلة وعبيطة والفلوس لو جريت في إيدي هتقلب عليكم!

مصطفى حبس نفسه، وعينيه رقصت برعب مستني الجملة الكبيرة. مستني أقوله وسمعتك وأنت بتقول أنا عريس وعايز أشوف اللي ورايا بس أنا كنت أذكى بكتير من إني أكشف كروتي دلوقتي.. أنا عايزة يعيش في الرعب دا، وياكله الخوف ويموت في جلدة قبل ما أصلب طوله بالدليل.

كملت كلامي ببرود قاتل:

ـ الصراحة يا مصطفى.. أنا قولت الراجل عنده كرامة وعزة نفس وعيب أطلع أنا الست الهبلة العبيطة اللي تفرض عليك فلوسها وتكسر عينك عشان كدا الفلوس دي هتروح البنك الأسبوع الجاي باسمي وباسم ولادي.. وأنت بقا ربنا يسهلك وتفك ضيقتك بمعرفتك، طالما أنت راجل ومش طمعان في حيلتي.. مش كدا بردو يا حبيبي؟

 

مصطفى لما لقاني مقولتش سيرة الجوازة التانية، أخد نفس طويل أوي كأن الروح ردت فيه.. حس براحة مؤقتة إن السر لسه في أمان، بس في نفس الوقت، كلماتي كوت قلبه.. “الهبلة العبيطة” اللي سمعها امبارح، رجعت قعدت قدامه زي الملكة، جميلة، شيك، ريحتها تجنن، وبتقوله ببرود “حل مشاكلك بمعرفتك”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *