زياره امى ٢

حكايات زهره الربيع

أعمامي وإخواتي كلهم وقفوا معايا وقفة رجالة. حسيت ساعتها بمعنى كلمة “أهل” و”ضهر”. الشهور الأولى للحمل عدت عليا وأنا بحاول أسترد نفسي، طارق مكنش بيبطل بعت رسايل تهديد ووعيد، تارة يبعت ناس يصالحوني بشرط إني أرجع أعتذر له وأبوس إيده قدام أهله، وتارة يهددني إنه هيسقطني أو ياخد الولد أول ما يتولد.

بس أنا مكنتش زهرة الضعيفة بتاعة زمان. وكلت محامي شاطر من طرف أعمامي، وبدأنا نرفع قضايا النفقة والتمكين والمؤخر. طارق افتكر إننا ناس غلابة ومش هنعرف نجاري مصاريف المحاكم، بس اتفاجئ إن عيلتي كلها وقفت ورايا ودفعت الغالي والنفق لجل ما يجيبوا حقي.

مرت الشهور، وجات لحظة الولادة. خلفت ولد زي القمر، سميته “عبد الرحمن” على اسم أبويا. طارق لما عرف، جه المستشفى ومعاه أهله، وكانوا جايين بنبرة من التعالي، فاكرين إن بوجود الطفل هبقى مكسورة وهوافق بأي شروط.

دخل الأوضة وبص للبيبي، وبعدين بصلي وقال: “خلاص يا زهرة.. لعب العيال ده ينتهي، الولد ده مش هيتربى في الفلاحين. هترجعي معايا القاهرة، وتنسي كل اللي حصل، بس مفيش مخلوق من أهلك يعتب بيتي تاني”.

ضحكت ضحكة عالية سمعت الأوضة كلها، لدرجة إن أمه اتهزت من الثقة اللي في عيني. قولتله: “انت لسه عايش في الوهم يا طارق؟ انت لسه فاكر نفسك محور الكون؟ أنا اطلقت منك طلاق بائن، وقضية الخلع والطلاق للضرر شغالة، والمحكمة حكمتلي بتمكين من الشقة، وبنفقة متعة وعدة وأجور للطفل تكسر ضهرك. الولد ده هيتربى هنا، وسط الأصول والكرم والنظافة الحقيقية.. نظافة القلب”.

أبوه حاول يتكلم بلهجة تهديد، بس لقى إخواتي وأعمامي داخلين الأوضة، طوال وعراض، ووشوشهم صارمة. عمي الكبير حط إيده على كتف طارق وقاله بلهجة صعيدية حاسمة: “يا بشمهندس.. خطوتك هنا لجل ما تشوف ابنك وبس، غير كدة، ملكش كلام مع حريمنا. حق بنتنا هناخده بالقانون، وإذا فكرت تلعب بديلك، البلد هنا مابتسيبش حقها”.

طارق حس بالصغر والنقص وسط الرجالة بجد، وأدرك إن الفلوس والعربيات الفخمة مابتشتريش رجولة ولا بتغطي على النقص الإنساني. أخد ديله في سنانه وخرج هو وأهله، وعينه في الأرض.

تمر الأيام، وعبد الرحمن دلوقتي كبر وبقى عنده سنتين. أنا ملقيتش نفسي في قعدة البيت؛ نزلت كملت تعليمي المفتوح، واشتغلت في جمعية زراعية وتجارية في البلد، وبقيت بساعد أبويا وإخواتي في الشغل، وليا كياني وكلمتي وسط الناس.

طارق حاول يرجع كذا مرة بعد ما لقى القضية قفلت في وشه، وبعد ما شقته بقت متمكنة ليا بقوة القانون، وبقى بيدفع مبالغ ضخمة كل شهر وهو ذليل، بس أنا قفلت الباب ده تماماً.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *