الورقه المنسيه ١
نرمين عادل همام
— يا هند، البيت ده مش بتاعي لوحدي، ده أمان ليكي وللعيال، وعمري في حياتي ما هنسى وقفتك دي جنبي. ويا لخيبتي وسذاجتي.. صدقته وأمنته على عمري وهو ما يستاهلش.
مرت السنين والبيت كبر وخلص، ونقلنا وعشنا فيه. وفي يوم عادي جداً، كنت محتاجة أخلص شوية ورق ومعاملات في البنك، وكان من ضمن الطلبات صورة من عقد ملكية البيت. دخلت بكل نية صافية على المكتبة الصغيرة اللي بنشيل فيها ورقنا وملفاتنا. قعدت أنبش مابين الورق، شهادات ميلاد العيال، قسيمة الجواز، فواتير النور والمياه.. بس العقد ملوش أي أثر، فص ملح وداب.
استغربت ووقعت في حيرة، فقلت أستنى مصطفى لما يرجع من بره. وفي السهرة وإحنا قاعدين في الصالة، سألته ببساطة وبنبرة عادية جداً: — بقولك إيه يا مصطفى، أنا كنت بدور على عقد البيت في الملفات وملقيتوش، هو فين؟ عشان عايزة صورة منه أقدمها في البنك.
في الثواني دي، شفت وشه اتقلب 180 درجة. جسمه اتخشب، ونظرة عينيه زاغت بشكل غريب عمري ما شفته منه في الـ 12 سنة جواز. فرك إيديه في بعض وتنحنح، وفجأة اتنطر واقف في مكانه ورد عليا بزعيق ونبرة حادة خضتني: — وأنتِ بتنبشي ورايا وبتدوري على العقود ليه أصلاً؟! مالكيش دعوة بالكلام ده، دي حاجات ورجالة وشغل رجالة وأنا قايم بالواجب وزيادة!
الكلمتين دول نزلوا عليا زي القلم على وشي. ما كانش ده مصطفى اللي أنا عارفاها، ولا دي طريقته معايا أبدًا. اتصدمت ولجمت لسان الخوف، وفضلت ساكتة وأنا شيفاه بيمشي من قدامي بخطوات متوترة ويدخل الأوضة. ومن الليلة دي، الشيطان زرع الشك في قلبي، وبدأ ياكل في روحي وعقلي. هو اتوتر ليه كدا؟ وإيه اللي مخبيه في العقد ده ومخليه مرعوب؟
عدى كام يوم تقال وزي الهم، كنت ماشية في البيت زي الفرخة المدوخة، وعيني وسط راسي بمشي ورا كل حركة بيعملها. وفي يوم في العصرية، ومصطفى فاكر إني نايمة وجوا الأوضة مع العيال، كان واقف في الطرقة اللي جنب المطبخ وماسك تليفونه. سحبت رجلي بالهداوة، وكنت حافية عشان الخشب ما يعملش أي صوت. وقفت ورا الحيطة بالظبط، وحبست نفسي وأنا حاطة ودني وبسمع مكالمته مع أمه.. المكالمة اللي شقلبت حياتي وكسرت ظهري…
صوته في التليفون كان طالع واثق أوي، وهو بيهمس بنبرة كلها لؤم ومكر، وفي نفس الوقت متطمن ومتهني وهو بيقول: “ما تقلقيش يا أمي.. البيت كله بقى باسمك رسمي خلاص، الورق كله اتخلّص ومحدش يقدر يفتح بقّه بربع كلمة”.
في اللحظة دي، حسيت كأن تلج جمد عروقي، والأرض بدأت تلف بيا زي الساقية. رجعت خطوة لورا وسندت ضهري على الحيطة الساقعة، وكنت بنهج وبحاول ألقط نفسي اللي هرب مني فجأة. وداني صرّت بطنين عالي، وشريط الـ 12 سنة شقا وعمر مر قدام عينيا زي فيلم سينما بيتحرق. فضلت واقفة مستنية..