اشتريت نفسى ٦
نورهان العشرى
“مبقاش ينفع يا جواد.. الكلمة دي جاية متأخرة أوي.. جاية بعد ما الجرح نزف كتير وبعد ما الروح شاخت من القهر.. أنا كمان كنت بموت في بعدك زمان وأنت مكنتش هنا أصلاً.. دلوقتي خلاص، مبقاش ينفع نرجع، وكل واحد يعيش حياته.. اقفل يا جواد ومتصلش هنا تاني”. حكايات نورهان العشري
قفلت السكة في وشه.. ورميت الموبايل على السرير، وانهرت في العياط وأنا كاتمة صرختي في المخدة.. الشوق كان بيدبحنا إحنا الاتنين، بس العناد والكرامة كانوا أقوى من أي حب.
مرت الأيام، وكنت فاكرة إني خلاص بنيت السد اللي مفيش وراه رجوع. بس جواد ميبقاش جواد الراوي لو استسلم، وأنا مكنتش أعرف إن الراجل لما بيعشق بجد بعد فوات الأوان، بيتحول لـ طفل مستعد يهد الدنيا عشان يرجع حضن أمه.
في يوم، كنت خارجة من مكتب المستشار فريد المنشاوي بعد يوم شغل طويل. كنت نازلة السلم وأنا بفكر في القضايا اللي ورايا. أول ما رجلي خطت بره باب العمارة وبقيت في الشارع، اتفاجئت بمنظر خلاني اتسمر في مكاني..حكايات نورهان العشري
أهلي كلهم كانوا واقفين! بابا، ماما، أختي منى وجوزها، وحتى عمي علي وعمي التاني.. العيلة كلها كانت واقفة على الرصيف وباصينلي بابتسامة غريبة، ميكس بين الفرحة والترقب. قلبي اتنفض في صدري واتخضيت خضة عمري، جريت عليهم وأنا بنهج وقُلت بصوت مرعوب:
“في إيه؟ جرى إيه يا جماعة؟ مالكم واقفين كدا ليه؟ الولاد فيهم حاجة؟ بابا أنت كويس؟”
بابا مسك إيدي وطبطب عليا وهو بيضحك وعينيه مدمعة من الفرحة، وقال بصوت حنين:
“مفيش حاجة يا قلب أبوكِ.. بس ارفعي عينك للسما كدا وشوفي.”
رفعت راسي ببطء.. ولقيت المنظر اللي صدمني ووقف النبض في قلبي. في لحظة واحدة، طارت في السما مئات البلالين الحمراء والبيضاء، وفوقهم بلونة هليوم ضخمة جداً، متعلق فيها لافتة قماش عريضة ومكتوب عليها بخط ذهبي كبير وواضح للدنيا كلها:
” بحبك يا ولاء.. سامحيني يا ملكة قلبي”
دموعي نزلت في ثانية، وخبيتها ورا نضارتي وقلبي بدأ يضرب في صدري زي الطبول. وفجأة، حسيت بـ حركة ورايا، وخطوات واثقة بتقرب. لفيت ببطء.. وكان هو.
جواد.. بـ هيبته، ووسامته، بس المرة دي مكنش لابس البدلة الميري، كان لابس بدلة كاجوال شيك، وعينيه مكنش فيها لا غضب ولا غيرة عمياء.. كان فيها كمية شوق وولهفة وانكسار حبيب مستعد يبيع الدنيا عشان نظرة رضا. كان شايل في إيده بوكية ورد روز أحمر كبير، قرب مني لحد ما بقى واقف قصادي قدام أهلي، وقدام الناس في الشارع اللي بدأت تقف وتتفرج وتسقف. جواد بص في عيني بنظرة دّوبت كل جبال الثلج والعناد اللي بنيتها جوايا. نزل على ركبته نص نزلة، ومد إيده بالورد وقال بصوت جهوري ومبحوح في نفس الوقت، صوته هز الشارع كله: