بنت عمى ٢

قصص وروايات أمانى سيد

جومانه بصت للأرض، بلعت كسرتها للمرة الألف، ودموعها نزلت مغرقة وشها وهي شايفة مراتي الجديدة بتبص لها بـ شماتة وتشاور لها برجلها على العصير المدلوق. جومانه من غير ولا كلمة، نزلت على ركبها، وطت راسها وبدأت تمسح الأرض بـ قماشة، كانت بتمسح بـ بلادة كأن روحها خلاص فارقت جسمها، ومراتي الجديدة واقفة فوق راسها بتتأملها بـ فخر وتملك.
أنا قعدت تاني ومسكت إيد مراتي الجديدة وأنا مبتسم، حاسس إني كسرت الحتة اللي باقية من كبريائها. لما خلصت، وقفت وسحبت رجليها ودخلت أوضتها الصغيرة اللي في آخر الممر، قفلت الباب عليها في سكات، السكات اللي كنت فاكره استسلام تام.
في الأوضة الضلمة..
جومانه قعدت على السرير، ضامة رجليها لصدرها وبتعيط بـ حرقة، حاسة إن الدنيا اسودت في وشها بالكامل. فجأة، شاشة موبايلها القديم نورت.. رقم غريب ودولي. قلبت سرقت نبضاتها، فتحت الخط بإيد بترتعش، وقبل ما تنطق، سمعت الصوت اللي كانت محرومة منه بقالها سنين.. صوت أبوها.
“جومانه.. يا بنتي.. إنتي سامعاني؟”
أول ما سمعت الكلمة، الدموع انفجرت من عينيها ومبقتش قادرة تكتم صوت عياطها، صرخت بـ وجع طالع من ضلوعها:
“بابا! بابا إنت فين؟ سيبتني ليه يا بابا؟ أنا بتموت هنا كل يوم.. إوعى تقفل السكة، أنا بتبهدل!”
صوت عمي اتغير، النبرة الحاسمة الشديدة اللي سافر بيها اختفت، وحل مكانها صوت راجل غلبان وندمان، قال لها بلهفة وخوف:
“مالك يا بنتي؟ في إيه؟ إيهاب عمل فيكي إيه؟ قوليلي يبنتي ومتخافيش، محدش سامعنا.”
جومانه بكت بـ قهر، وحكت له كل حاجة في سكات ومن غير ما حد برة يحس.. حكت له عن ذل السنين، عن ليلة الفرح والأغنية القديمة، عن الشبكة اللي اشتراها لغيرها، وعن مراتي الجديدة اللي دخلت الشقة ورمت عفشها وخليتها جارية تخدمها بلقمتها، وحكت له عن وقفتها على ركبها وهي بتمسح العصير من تحت رجلين مراتي الجديدة بـ أمر مني.
عمي على الناحية التانية كان نفسه بيضيق، وصوته بدأ يترعش من الغضب والغل اللي اتملى بيه من كلامها، أنفاسه بقت حامية وصوته اتتحول لـ فحيح وهو بيقول لها:
“مسحت الأرض تحت رجلين مراته؟ الكلب بيعمل في بنتي أنا كده؟ بيفش غله القديم فيكي عشان وصيتي؟”
جومانه قالت له وهي بتشهق:
“أنا خايفة من غضبك يا بابا.. أنا مستحملة الجحيم ده كله عشان إنت قولت لي لو سيبتي بيته هغضب عليكي.. أنا بضيع يا بابا.”
عمي اتكلم ونبرته كانت قاطعة زي السيف، نبرة كلها وعيد وتهديد يزلزل الأرض:
“اششش.. اِمسحي دموعك دي خالص يا جومانه. اِقفي على رجلك ومتنزلش راسك للكلب ده تاني. غضب إيه يا بنتي! أنا كنت فاكره راجل وهيصونك، كنت فاكر انى بحميكى لما أأمنه عليكي. هانت يا جومانه.. هانت قوي يا بنتي. أنا نازل مصر، مسافة السكة وأكون عندك.. وحق الكسرة والدموع دي كلها هاخد حقك من نفوخه، وربي لـ أندمه على اليوم اللي فكر فيه ييجي على بنتي.”
قفل السكة.. وجومانه فضلت قاعدة، مسحت دموعها بـ حسم، ولأول مرة من سنين، النفس اللي داخل صدرها مكنش محبوس، كان فيه ريحة أمل.. ريحة نهاية الجحيم.
بعد يومين بالظبط..
كنت قاعد في الصالة الجديدة، الشقة بقت متجددة على الآخر، ومراتي الجديدة قاعدة جمبي بنشرب قهوة ومبسوطين بالوضع الجديد، وجومانه كانت واقفة في المطبخ بتغسل المواعين بـ هدوء مريب مكنتش فاهمه.
فجأة، الباب خبط خبطات قوية وورا بعضها، خبطات هزت الحيطة.
قمت بغضب وقلت: “مين الغبي اللي بيخبط بالطريقة دي!”
فتحت الباب.. واتسمرت في مكاني. الدم هرب من عروقي، وركبي سابت.
عمي.. واقف بكامل هيبته، ملامحه وعينيه فيهم كمية شر وغضب عمري ما شفتها في حياتي.
دخل الشقة من غير ما يستأذن، زقني بـ إيده لورا لدرجة إني رجعت خطوتين، وبص في نص الصالة. مراتي الجديدة قامت وقفت بـ رعب وهي مش فاهمة مين الراجل ده.
عمي صرخ بعلو صوته: “جومانه! اِطلعي يا بنتي!”
جومانه خرجت من المطبخ، أول ما شافت أبوها، جريت عليه اترمت في حضنه وهي بتبكي، وهو ضمها لضلوعه بـ قوة وهو بيبص لي وعينيه بتطلع نار، وقال لها:
“خلاص يا قلب أبوكي.. السجن ده اِتهد، وجحيمهم بدأ.”
لّف عليا، قرب مني لحد ما بقى وشه في وشي، ورفع صباعه في عيني وبص لي بـ احتقار يهد أي راجل، وقال بصوت هز حيطان الشقة:
“إنت بقى يا إيهاب؟ إنت الحشرة اللي تمد إيدك على بنتي وتعملها جارية؟ أنا أأمنك على عرضي وأقول لك استرها وأوعى تطلقها عشان فاكرك راجل؟.. أتاريك ناقص! كنت فاكرك راجل وطلعت عيل بتخلص غلك في ست ملهاش سند!”
أنا لساني اتلجم، حاولت أتكلم أو أقول أي كلمة أدافع بيها عن نفسي: “يا عمي.. دي هي اللي..”
عمي مقاطعهوش بس، ده ضرب كف بكف وبص في الأرض بـ قرف ورفع راسه تاني وقال بـ نبرة كلها إهانة:
“ولا كلمة! صوتك مسمعهوش في المكان ده.. الشقة دي شقتي، والعفش ده كله بتاعي، وبنتي هتاخده ف. إنت ومراتك دي.. تلموا هدومكم في أكياس زبالة وتطلعوا برة بيتي حالا! مش عايز أشوف وشكم هنا لدقيقة واحدة!”
مراتي الجديدة بدأت تصرخ: “إنت مين عشان تطردنا! إيهاب اِتكلم!”
عمي بص لها بـ احتقار وقال: “اِخرسي خالص يا رخيصه .. ولمى حاجتك مع جوزك “الراجل” اللي مش عارف يحميكي ولا يحمي نفسه، واطلعوا برة!”
عمي مسك إيد جومانه وقعدها على الكنبة الجديدة في نص الصالة كأنها ملكة، وبص لي وقال بـ نبرة حاسمة:
“يلا برة! اطبعوا برة بيتي من غير مطرود.. ورقتك هتوصلك يا جومانه، والكلب ده مش هيرجع هنا تاني.
وقفت في نص الصالة، مكسور ومُهان قدام مراتي الجديدة اللي كانت بتبص لي بـ صدمة مستنياني أعمل حاجة، وأنا مش قادر حتى أرفع عيني في عين عمي اللي كسر كبريائي في ثواني، وطردني من الجنة اللي كنت فاكر إني ملكتها.
عمي سحب نفس طويل، وبص في أرجاء الصالة المتجددة بـ قرف، وكأنه مشمئز من كل شبر فيها، وبعدين رجع بص لي والنظرة اللي في عينيه كانت كفيلة تدفنّي مكاني.
قرب خطوة كمان، وحط إيديه في جيوبه بكل ثقة وهيبة، وقال بنبرة هادية بس حامية ورصاصها بيصيب في مق*تل:
“ومن بكرة يا إيهاب.. الشركـة بتاعتي اللي إنت ماسكها، رجلك ما تعتبهاش! اِنسى إن ليك مكتب هناك، واِنسى إنك كنت الكل في الكل في غيابي.”
أنا اتصدمت، الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، الشغل والوجاهة والمركز اللي كنت بتباهى بيهم قدام مراتي الجديدة وبلوي بيهم دراع جومانه، كله بيضيع في ثانية. حاولت أنطق، شفايفي اتهزت بـ رعب:
“بس يا عمي.. الشغل والصفقات اللي أنا..
قاطعني بإشارة حاسمة من إيده، وصوته رن في الصالة كلها:
“ولا كلمة! أنا لما سافرت وقطعت أخبار الشغل، مكنتش هربان ولا سايب بنتي، أنا كنت برة بحل مشاكل كبيرة في الشغل وبأمن مستقبلي ومستقبلها، ومكنتش عايز بنتي تتأذى ولا يدخل بيني وبينها أي شوشرة لحد ما أموري تظبط، عشان كده كنت بوصيك عليها وبأمنك! كنت فاكر إن دمي ولحمي غاليين عندك.. لكن إنت استغليت غيابي عشان تفرغ نقصك وغلك في بنتي.
مراتي الجديدة كانت واقفة ورايا، بتترعش ومنهارة من العياط وهي شايفة العز والبيت والمركز بيتهدوا فوق دماغنا في دقايق.
عمي لف وشه وبص لـ جومانه اللي كانت قاعدة وضهرها مفرود، وعينيها لأول مرة فيها لمعة انتصار وهدوء، وبعدين رجع بص لي وقال بـ نبرة كلها احتقار:
“أنا بنتي مش قليلة عشان تتجوز عليها وتهينها! بنتي ست البنات، وإنت طول السنين دي قاعد في خيرها، وبتصرف من فلوسها ومن خيري أنا! الشقة دي بفلوسي، واللبس اللي على ضهرك والعربية اللي بتركبها من خيري! جاي النهاردة تعمل عليها راجل بفلوسها وتجيب لها ضرة تذلها؟
مسك إيد جومانه وطبطب عليها، وبص لي وعينيه فيها وعيد يوقف الدم في العروق:
“بس ملحوقة.. كل حاجة هترجع لأصحابها، وإنت من اللحظة دي مالكش عندي غير الهدوم اللي عليك.. واستحمل بقى اللى هتشوفه منى! ورب العزة لـ أخليك تلف حوالين نفسك وم تلاقيش لقمة تاكلها، وهعرفك إزاي تمد إيدك على حاجة تخصني وتخص بنتي.
لفت مراتي الجديدة عليا وهي بتشدني من قميصي وبتصرخ بـ قهر وغل:
“اِتكلم يا إيهاب! قوله أي حاجة! إحنا هنروح فين؟ الشغل والشقة وعفشنا الجديد! هنعمل إيه؟”
مكنتش قادر أرد عليها، ولا قادر أبص في وشها. السيطرة المريضة ونشوة الانتصار اللي عشت فيهم الأيام اللي فاتت اِتحولوا لـ ذل وخزي عمري ما دقتهم. طأطأت راسي في الأرض، وسحبت رجليّ وأنا بجر مراتي الجديدة ورايا وبنفتح باب الشقة عشان نخرج منها بـ كيسين هدوم، مطرودين وفي قمة الإهانة، وتحت نظرات جومانه اللي كانت بتودع جحيمها.. وبتبدأ جحيمنا إحنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *