بعد نا اتطلقت ١
حكايات رومانى مكرم
قال بصوت مكسور: “يا بنتي، صاحب السلسلة دي قالب عليكي الأرض من عشرين سنة.”
#رومانى_مكرم
قلبي سقط في رجليا.. “صاحب إيه؟ أنا معرفش حد!”
سحبت رجلي لورا خطوة، وكنت لسه هخطف السلسلة من إيده وأجري بره المحل، بس الباب الجواني اتفتح بصرير خلى شعر ضهري يقف.
طلع منه راجل طويل، لابس بالطو أسود هلكان من الزمن، ملامحه فيها قسوة وغُربة السنين، بس أول ما عينه جت في عيني.. القسوة دي دابت في ثانية. ملامحه اتهزت، وشفايفه اترعشت وهو بينطق اسمي: “نجلاء..؟ أنتِ نجلاء؟”
النبرة كانت غريبة.. فيها وجع وبكا مكتوم من عشرين سنة، كأنه كان عايش بس عشان ينطق الكلمة دي.
رجعت لورا لغاية ما ضهري خبط في فاترينة العرض الزجاجية، وقلت بصوت بيترعش من الخوف: “أنت مين؟ وعارف اسمي منين؟ أنا مش عايزة أبيع حاجة.. هات السلسلة يا حاج.”
الراجل العجوز الصايغ حط السلسلة على مكتبه ووقف في النص بينا، وقال ونضارته السلك بتتهز على مناخيره: “اهدئي يا بنتي.. الراجل ده مش غريب، الراجل ده يبقى..”
“أنا أبوكِ يا نجلاء!”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. المحل كله لف بيا، وصوت المطر بره اتحول لوشيش عالي في ودني. أبويا؟ أبويا اللي أمي الله يرحمها قالتلي إنه مات وأنا حتة لحمة حمرا؟ أبويا اللي عشت عمري كله أسمع إنه ملوش وجود؟
زعقت بانهيار والدموع مغرقة وشي: “أنت كداب! أنت مين؟ أمي قالتلي إن أبويا مات من زمان.. أنت عايز مني إيه؟”
الراجل الطويل قرب مني خطوتين وإيده ممدودة كأنه خايف يلمسني فأختفي، وقال وعينه حمرة ومدمعة: “أنا ممُتش يا نجلاء.. أمك الله يرحمها هي اللي هربت بيكِ زمان. السلسلة دي.. النقش اللي وراها مش نقش عادي، ده ختم عيلتنا، عيلة ‘المنشاوي’.. السلسلة دي أنا اللي صممتها لـ فاطمة بإيدي، وجواها سر مكنش ينفع حد يعرفه غيرك لما تكبري.”
الصايغ هز راسه بتأكيد وقال: “فعلاً يا بنتي.. الراجل ده مكدبش، النقش ده ‘مفتاح’ لغز قديم قوي.. وأمك فاطمة سابت البلد زمان عشان تحميكِ من اللي كان هيحصل بسبب المفتاح ده.”
في لحظة، افتكرت كلام أمي وهي في المستشفى، لما كانت بتضغط على إيدي وتوصيني بالسلسلة وبتقول: “وراها حكاية”.. الحكاية مكنتش مجرد ذكرى، الحكاية كانت هرب، وتار، وسر مدفون تحت الأرض.
الراجل قرب أكتر، وطلع من جيبه محفظة جلد قديمة، فتحها ووراني صورة.. كانت صورة لأمي وهي شابّة، وصغيرة في السن، ولابسة نفس السلسلة، وجنبها نفس الراجل ده وهو في عز شبابه، وكان شايل على إيده طفلة صغيرة.. فيها شبه مني وأنا صغيرة.