زميله جوزى ١

امانى سيد

>

خرجت من الأوضة ورزعت الباب ورايا بكل قوتي، سبته واقف بطوله وسط حيطانه، وبأحلامه المزيفة.. سبته وأنا حاسة لأول مرة من ست شهور إني بتنفس بجد، وإني رغم الكسرة، خرجت من المعركة دي كسبانة نفسي.

مشيت في الطرقة الطويلة بخطوات سريعة، مكنتش شايفة قدامي من كتر الدموع اللي كانت محبوسة في عيني ورافضة تنزل عشان ما تضعفنيش قدامه. دخلت أوضة الأطفال، قفلت الباب ورايا وبوز مير الظلم بيطاردني. رميت المخدة والغطا على الكنبة، وقعدت وضامّة رجلي لصدرى، وجسمي كله بيترعش.

الساعة كانت داخلة على تلاتة الفجر. السكون اللي برة كان مرعب، عكس البركان اللي شغال جوة قلبي. ست سنين جواز مرو قدام عيني في ثانية؛ ست سنين وأنا شايلاه في عيني، صاينة بيته، وبستحمل طبعه الحامض والناشف عشان المركب تسير. ست سنين ببدّيه على نفسي، وفي الآخر.. اتهان وأتضرب واتشتم عشان “ميرنا”! عشان بنت لسه ما كملتش شهرين في الشركة!

سمعت صوت حركته برة، ورزع باب شقتنا بعنف.. نزل.

أول ما اتأكدت إنه مشي، الحصن اللي بنيته قدامه انهار. دفنت وشي بين إيديا وانفجرت في العياط. عيطت بحرقة، عياط مكتوم عشان الولاد ما يحسوش بحاجة. الوجع مكانش في قلبي بس، ده كان مسمّع في عضمي كله. حسيت بمهانة ما تتوصفش، راجل بيستقوى على مراته وأم عياله في نص الليل عشان يثبت لبنت تانية إنه “بطل” وبيقدر ياخد لها حقها!

على الساعة ستة الصبح، النور بدأ يشقشق. قمت من على الكنبة، غسلت وشي بمية ساقعة. بصيت في المراية.. عيني كانت منفخة وحمرا، بس كان فيها لمعة غريبة.. لمعة قسوة مكنتش فيا قبل كده. الست الهادية الطيبة اللي بتمشي جنب الحيط ماتت الليلة دي، وحسين هو اللي قتلتها بإيده.

لميت هدومي وهدوم الولاد في شنطتين كبار بسرعة ومن غير شوشرة. صحيت الولاد، وبستهم وقلت لهم بهدوء: “يلا يا حبايبي عشان هنقضي كام يوم عند تيتة”. مكانوش فاهمين حاجة، بس نزلوا معايا وهم ساكتين.

نزلت من البيت، ركبت تاكسي ورحت على بيت أبويا. أول ما أمي فتحت الباب وشافت الشنط وفي عيني نظرة الانكسار دي، فهمت كل حاجة من غير ما أنطق كلمة واحدة. أخدتني في حضنها، وهنا بس حسيت إني قادرة أتنفس.. الأمان اللي اتهد في بيتي، لاميته في حضن أمي.

سبت الولاد معاها، وطلعت موبايلي. كلمت الأستاذ فريد، محامي العيلة وصديق والدي الله يرحمه. حكيت له كل حاجة باختصار وصوت ثابت؛ من أول تلميحات الشغل، لحد هجوم حسين عليا بالليل واعترافه إنه عايز يتجوزها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *