بعد موت امى ١
أمانى السيد
ماتكلمتش وقتها ونفذت طلبها.. شمرت كمامي وبدأت أغسل المواعين وأنا كاتمة دموعي وبموت من جوايا، وعرفت في اللحظة دي إن حياتي ماتغيرتش، أنا بس نقلت من بيت لبيت عشان أكمل شغلي كخادمة، بس المرة دي بلقب عروسة.
مرت الشهور وأنا على نفس الوضع؛ خدامة في الشقة من النجمة ليل بروح بطلع عيني في التنظيف والأكل والشرب، ولا كأني بني آدمة ليها حق ترتاح أو تحس بكرامتها.
وفي يوم، صحيت على صوت زغاريط مالية الشقة، صوت هز الحيطان.. جريت برا الأوضة مخضوضة، لقيت عمتي واقفة في الصالة ووشها منور بالفرحة وبتزغرط بأعلى صوتها. أول ما شافتني، بصت لي بانتصار وقالت لي: “افرحي يا ختي، جوزك خطب! خطبت له ست ستها اللي هتعيش وتتهنى في الشقة الملتوضبة اللي فوق”. وقبل ما أستوعب الصدمة، كملت بأمر: “يلا شدي حيلك وورينا شطارتك، عايزة عزومة تشرف قدام أهل خطيبته الجداد، مش عايزين فضايح”.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة.. جوزي؟ اللي مكتوب كتابي عليه وعايشة معاه في نفس الأوضة يخطب؟ والشقة اللي فوق اللي اتحرمت منها تطلع لها هي؟! لأول مرة في حياتي حسيت بنار قايدة في صدري، وطاقتي كلها خلصت. الكبت والخنوع اللي تربيت عليهم اتمسحوا في لحظة، ولقيت صوتي بيطلع لأول مرة: “جوزي يخطب؟! وأنا إيه؟ خدامة ليكم؟ مش هعمل حاجة ومش هطبخ لحد!”.
ما لحقتش أكمل الكلمة، لقيت كف عمتي نزل على وشي بكل قوتها وقسوتها، طيرت الدنيا من حواليا. وقبل ما أحط إيدي على خدي من الصدمة، لقيت ابنها — اللي هو جوزي — داخل عليا، وعينه فيها شر وشرار، مسكني من هدومي وزقني في الحيطة وهو بيزعق في وشي بصوت يرعب: “لو فتحتِ بقك تاني، أو سمعت لك حس، وربنا هكمل عليكي وأدفنك مكانك.. غوري على المطبخ وأنتِ ساكتة!”.
وقفت مكاني مكسورة، وشي بيوجعني وجسمي كله بيترعش من الخوف والقهر.. بابا مش هنا عشان يحميني، وستي اللي علمتني أقول حاضر ماتت وسابتني. لقيت نفسي، وغصب عني وبمنتهى الذل، بجر رجلي وادخل المطبخ وعيني مش شايفة من الدموع عشان أعمل العزومة للي جاية تاخد مكاني.
دخلوا الأوضة مع بعض، وجوزي قفل الباب وراهم.. الباب اللي كان مقفول عليا وعليها قبلها بكام ساعة.
وقفت ورا الباب وقلبي بيتعصر من الوجع والقهر، مكنتش قادرة أتحرك من مكاني وكأن رجلي غرزت في الأرض. وبدأت أصواتهم تطلع.. سمعت صوت جوزي وهو بيتكلم بنبرة عمري في حياتي ما سمعتها منه، نبرة كلها حنية ودلع وشغف، وهو بيقولها كلام غزل يدوب، كلام كان نفسي أسمع ربع كلمة منه في ليلة دخلتي.