ترقيه ٢

قصص وروايات أمانى سيد

نزلت من الشقة وأنا مش شايف قدامي، ركبت عربيتي اللي بقت كل ما أملك بعد ما شقة الكومباوند ما ضاعت، ودورتها وأنا إيديا بترعش على الدريكسيون. طول الطريق من الكومباوند لحد منطقتنا الشعبية القديمة، وعقلي عمال يودي ويجيب. كنت بسأل نفسي: “يا ترى عاملين إيه من بعدي؟ أكيد حالهم يصعب على الكافر.. أكيد البيت مبهدل والكسرة باينة على وشوشهم.. ما هو أنا برضه سيبتهم فجأة وقطعت عنهم المية والنور”.
كنت رايح وفي وفيا غريزة أنانية حقيرة، فضول عايز يشوفهم تعبانين عشان ربما أحس إننا كلنا في الهم سوا، أو يمكن أدخل عليهم دور المنقذ اللي راجع ندمان فيحنوا عليا.
وصلت الشارع القديم.. ركنت العربية بعيد شوية، ونزلت. حطيت كاب على راسي ونزلت راسي في الأرض وأنا بقرب من البيت. الشارع هو هو، الدكاكين، صوت البياعين، الجيران اللي عارفينني كويس.. كنت مرعوب حد يلمحني ويشوف الكسرة اللي في عيني بعد ما كنت بتنطط عليهم بمركزي وعربيتي الجديدة.
وقفت في زاوية دارية وبصيت لفوق.. لشباك شقتنا في الدور الثالث.
توقعت أشوف الشباك مقفول، أو عليه تراب، والهم مغيم على البيت. بس الصدمة الأولى اللي خبطت في صدري، إن الشباك كان مفتوح على آخره، والستاير نظيفة ومبهجة وبتتحرك مع الهوا، وصوت ضحك ولادي الصغيرين طالع لحد الشارع!
وقفت مكاني مذهول.. الصوت ده مش صوت عيال جعانة أو مكسورة.
فضلت واقف مستني وعيني على مدخل العمارة، وساعة كاملة عدت وكأنها سنة، لحد ما لقيت باب العمارة بيفتح.. وخرجت هي.. مراتي!
نفسي اتكتم، وضربات قلبي بقت مسموعة لوداني. وقفت أبص عليها وأنا مش مصدق عينيا.. دي مش الست المهملة اللي سيبتها غرقانة في دموعها وبكاها. كانت واقفة بكامل شياكتها وبساطتها، لابسة طقم فورمال شيك جداً ووقور، وشها منور، مفيش فيه علامة واحدة من علامات الكسرة أو الهم اللي كنت متخيل إنهم هيبقوا فيها.
ولادي خرجوا وراها، لبسهم نظيف وشكلهم يفرح، شايلين شنط مدارسهم وبيضحكوا. لمحت الصغير وهو بيمسك إيدها ويقولها بنبرة كلها فخر: “ماما، متتأخريش عليا في النادي النهارده عشان الكابتن قال هيسلمني الحزام الجديد”، ابتسمت بحنان ولفت وشها وطبطبت عليه وقالتله: “حاضر يا حبيب ماما، هخلص الشغل علطول وأجيلك”.
في نفس اللحظة، وقفت قدام باب العمارة عربية تابعة لشركة مشهورة، نزل منها السواق وفتح لها الباب باحترام وقال: “صباح الخير يا أستاذة، البشمهندس مستني حضرتك في مقر الشركة عشان نمضي عقود المشروع الجديد”.
ركبت العربية بكل ثقة، وأولادي ركبوا باص المدرسة اللي وصل وراها علطول.
أنا كنت واقف ورا الشجرة زى الصنم، الدم نشف في عروقي والدنيا لفت بيا. مراتي المنكسرة، الست اللي قفلت في وشها كل الأبواب وعملت لها بلوك عشان مسمعش صوتها وهي بتتحايل على مصاريف الأكل.. نزلت اشتغلت! ووشها نور، وحالتهم بقت أحسن بمليون مرة من غيري.
الدنيا كلها اسودت في عيني وعرفت الحقيقة المرة: هما مكنوش بيموتوا من غيري، هما كانوا بيموتوا “معايا”. ربنا مسبهومش لما أنا رميتهم، بالعكس، ده فتح لهم أبواب الرزق وعوضهم عن كل لحظة جحود شافوها مني، وبقت عيشتهم مرتاحة ومستورة من عرق جبينها وبفضل ربنا.
عرفت في اللحظة دي إني بقيت صفر على الشمال في حياتهم، ماليش أي مكان، ولا حتى نظرة عتاب هشوفها في عينيهم. وقفت أبص على أثر العربية وهي بتختفي من الشارع، وأنا حاسس إني أغبى وأصغر إنسان على وجه الأرض.. بعت الدهب الأصلي اللي كان في إيدي وساندني، عشان أجري ورا قشرة فالسو رمتني في الشارع أول ما فلست.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *