ترقيه ٢

قصص وروايات أمانى سيد

مشيت ورا العربية وأنا حاسس إن في مغناطيس بيسحبني، عقلي مكنش مستوعب ومكنش عندي غير فكرة واحدة مسيطرة عليا: “إزاي؟ إزاي الست اللي كانت كل طموحها تدير البيت وتكفي طلبات الولاد، توصل للمستوى ده وفي الوقت القصير ده؟” كنت سايق وراهم وأنا حاسس بـإهانة لذكورتي وغروري اللي اتمسح بيهم الأرض، وفي نفس الوقت فضول قاتل عايز يفهم.
العربية فضلت ماشية لحد ما دخلت منطقة راقية، ووقفت قدام مبنى إداري ضخم، واجهة زجاجية بتلمع مكتوب عليها اسم شركة استشارات وتطوير عقاري كبيرة. شفتها وهي بتنزل من العربية بثقتها وبخطوات ثابتة، ودخلت من الباب الزجاجي والأمن بيحييها بـاحترام.
ركنت عربيتي ، وقعدت في مكاني. الساعات كانت بتعدي عليا وأنا باصص على باب الشركة زى المجنون، عقلي عمال يرجع بالزمن.. افتكرت إنها خريجة تجارة، وافتكرت إنها زمان، أول ما اتجوزنا، كانت بتقولي نفسي أعمل دبلومة وأشتغل، وأنا كنت برد ببرود وسخرية: “تشتغلي إيه وتعملي إيه؟ خليكي في بيتك وولادك، هو أنا مأثر معاكي في حاجة؟”. كنت دايماً بهد طموحها وبحسسها إنها متقدرش تعيش من غيري ومن غير قرشي.. ودلوقتي، الدنيا بتلف وتوريني إنها مكنتش محتاجة غير إنها تخلص من وجودي المحبط عشان تنور وتنجح.
النهار بدأ يلملم نفسه، والشمس بدأت تغيب، وموظفين الشركة بدأوا يخرجوا مجموعات. قلبي بدأ يدق بعنف، وجوايا صراع مرعب: “يا ترى هتعمل إيه لما تشوفني؟ يا ترى هتقبل تتكلم معايا أصلاً وتسمعني؟ ولا هتبص لي بـاحتقار وتمشي؟” الإحساس بالخزي كان بيكتفني، بس الرغبة في إني ألاقي أي قشة أتعلق بيها، أو جايز كلمة تصبرني على خيبتي، خلتني أفتح باب العربية وأنزل.
وقفت جنب عمود نور قريب من البوابة، عيني منزلتش من على الباب. وفجأة.. خرجت.
كانت ماشية وبتتكلم مع واحد من زمايلها في الشغل، ماسكة ملفات في إيدها وبتضحك بثقة، الضحكة اللي بقالي سنين ملمحتهاش على وشها. زميلها حياها ومشي، وهي كملت خطواتها لوحدها ناحية الرصيف مستنية نفس العربية اللي جابتها الصبح.
دي كانت فرقتي.. رجلي كانت شايلة جبال وأنا بتحرك ناحيتها. قربت من ضهرها، وصوتي طلع مبحوح، ضعيف، وخايف.. صوت راجل مكسور مبقاش فيه حيل: “رضوى..
شفت كتفها اتهز هزة خفيفة، ووقفت مكانها لثواني. لفت وشها بالراحة، وأول ما عينيها جت في عيني، ملمحتش فيهم الصدمة اللي كنت مستنيها، ولا لمحت الغضب ولا الانتقام.. لمت فيهم حاجة وجعتني أكتر بمليون مرة من الضرب.. لمحت “برود تام”، نظرة هادية لراجل غريب ملوش أي قيمة في حياتها.
بصتلي من فوق لتحت، شافت منظري، لبسي المبهدل، وشي الدبلان، وعيني المكسورة. نزلت الملفات اللي في إيدها بالراحة وقالت بنبرة هادية ومستقرة: “بشمهندس.. خير؟ في حاجة؟”.
الكلمة نزلت عليا زى السك/ينة، مبقتش جوزها، مبقتش أبو عيالها، بقيت مجرد “بشمهندس” غريب واقف في طريقها. بلعت ريقي بالعافية وقلت والتأتأة واكلة لساني: “أنا.. أنا كنت جاي.. جاي أشوفك أنتِ والولاد..

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *