جوزى فاكر انه قفل السكه
كامله
الهدوء القاتل.
الهدوء ده انتشر فيا من جوا لبرا، خلى كل حاجة حواليا حادة وواضحة بشكل غريب.. الأسفلت الأسود المبلول، الساعة اللي منورة في التابلوه، الرعشة الخفيفة اللي في إيدي الشمال، ريحة القهوة الفاترة اللي في الكوبية الورق.. وصورتي أنا في قزاز الباب، وشي كان باهت، وغريب، وكأني أول مرة أشوف الست دي في حياتي.
مروحتش البيت.
أنا دورت العربية وطلعت على مكتب أبويا
واللى حصل هناك كان……
واللي حصل هناك كان نقطة التحول الحقيقية في حياتي، النقطة اللي “ندى الهبلة المغفلة” ماتت فيها، واتولدت مكانها ست تانية خالص، ست مبيفرقش معاها غير حاجة واحدة بس: تفرم اللي داسوا عليها.
أول ما دخلت مكتب أبويا الله يرحمه، ريحة خشب الأرو القديم وسجايره اللي كانت لسه معششة في الستائر حسستني بالأمان لأول مرة من سنين. قعدت ورا مكتبه الضخم، على كرسيه الجلد اللي كنت بحسه دايماً واسع عليا وأنا صغيرة، بس المرة دي.. حسيت إنه متفصل على مقاسي بالملي.
طلعت الموبايل، ووصلته بالكمبيوتر، ونقلت التسجيل اللي مدته 4 دقايق و12 ثانية. عملت منه تلات نسخ احتياطية على كذا فلاشة، وشيلتهم في خزنة المكتب السرية اللي مفيش مخلوق يعرف مكانها غيري. وأنا بسمع صوت طارق ورانيا للمرة الألف والوجع بيتحول لكتلة تلتج في صدري، الباب اتفتح ودخل متر الأسرار، أستاذ عاصم، محامي أبويا وعشرة عمره.
عاصم بيه راجل عجوز، شعره أبيض زي القطن، وعينيه حادة زي الصقر. أول ما شاف وشي، وقف مكانه وقال بنبرة قلقانة: “ندى يا بنتي؟ مالك؟ وشك قالب ألوان والدم هربان منه ليه؟”
من غير ما أنطق بكلمة واحدة، دوست على زرار التشغيل في الكمبيوتر. الصوت طلع في الأوضة الواسعة، تردد صدى ضحكات رانيا الخبيثة وثقة طارق الملعونة وهو بيتكلم عن الـ 5 مليون جنيه وعن إجهاضي. عاصم بيه فضل واقف مكانه، ملامح وشه كانت بتتصلب مع كل ثانية بتعدي، وعروق جبهته ظهرت وبقت حمرا من كتر الغضب.
أول ما التسجيل خلص، الأوضة سادها صمت قاتل، أصعب من صمت المحور والمطر. عاصم بيه قعد على الكرسي اللي قدامي، خلع نظارته ومسح وشه بإيده، وقال بصوت مكتوم ومليان غل: “ابن الكلاب.. ده كان هيموت ويخليني أسرع في إجراءات إعلام الوراثة وصرف الشيك. كان كل يوم يكلمني بحجة إنه خايف عليكي وعلى مصلحتك”.
بصيت لعاصم بيه بعينين مفيهاش دمعة واحدة، وقلتله بنبرة باردة لدرجة إني خوفت من نفسي: “أستاذ عاصم، الشيك بتاع الـ 5 مليون هيتصرف الشهر الجاي زي ما هو فاهم؟”