رهان ٣
بقلم امانى سيد
قامت الأكس من مكانها، مسكت شنطتها وبصتلي للمرة الأخيرة وقالت: “أنا جيت أقولك الحقيقة عشان ميبقاش ليا ذنب في كسر قلبين.. هو غلطان في أسلوبه، بس هو حبك بجد لدرجة إنه داس على كبريائه اللي عاش طول عمره بيحميه.. القرار دلوقتي في إيدك”.
سابتني ومشيت، وقفلت الباب وراها.. وأنا فضلت واقفة في نص الصالة، الحقيقة كلها اتقلبت في عيوني، والغضب والشماتة اللي كنت حاسة بيهم اتبخروا وحل مكانهم إحساس بالخوف والندم.
هل أنا تسرعت لما دبحته قدام الموظفين؟ هل حبه اللي كنت بتمناه سنين ضاع مني في اللحظة اللي قرر فيها يتخلى عن كبريائه عشاني؟
جريت على تليفوني، فتحته بسرعة وأنا إيدي بترتعش، وطلبت رقمه.. بس الشاشة ظهرت بعبارة “هذا الهاتف مغلق”..
الجملة نزلت على مسامعي وخلت قلبي يقف. “هذا الهاتف مغلق”.. الكلمة دي كانت بتعلن إن القطار فات، وإن الرد القاسي اللي رديته عليه قدام الموظفين كان الرصاصة اللي موتت كل حاجة حلوة كانت ممكن تتولد بيننا.
قعدت على الأرض والدموع المرة دي نزلت بجد، دموع ندم ووجع وخوف من إني أكون ضيعت حب عمري بسبب لحظة كبرياء أعمى. فضلت طول الليل صاحية، باصة للشاشة ومستنية المعجزة، مستنية رقمه ينور، بس مفيش فايدة.
تاني يوم الصبح، مكنش قدامي غير حل واحد. نزلت وجريت على الشركة، دخلت وأنا مش شايفة حد من الموظفين ولا فارق معايا نظراتهم ولا همساتهم. روحت لـ “عم محمد” الساعي القديم اللي في الدور بتاعه، الراجل الطيب اللي دايماً كان بيبقى عارف دبة نملة الأستاذ.
أول ما شافني، ملامحه اتغيرت وقالي بنبرة لوم هادية: “كده برضو يا بنتي؟ ده كان شاري ومستعد يهد الدنيا عشانك.. الأستاذ لم كل ورقه وحاجته الشخصية من يومين، وقالي إنه مسافر المطار وراجع بلدهم، ومش هيرجع هنا تاني”.
سألته بلهفة ودموعي في عيني: “بلدهم فين يا عم محمد؟ أرجوك قولي، أنا لازم ألحقه”.
هز رأسه وقالي: “هو من طنطا يا بنتي، بس متعرفيش هتوصل لهناك إزاي وسط البلد الكبيرة دي”.
مفكرتش.. أخدت الشنطة بتاعتي وطلعت على محطة رمسيس، ركبت أول قطر رايح على طنطا. طول الطريق وأنا باصة من الشباك والوقت بيمر كأنه سنين. كنت بدعي ربنا إنه ميكونش مشي، أو إنه يلهمني الحيلة اللي تخليني ألاقيه.
وصلت المحطة، ونزلت تايّهة وسط الزحمة، ومبقتش عارفة أروح فين. وقفت في نص الشارع وأنا حاسة بالدونية والعجز. طلعت تليفوني وحاولت أطلبه تاني.. وفجأة، الخط جمع! صوت الرنين كان بيرن جوة قلبي مش في التليفون.