طلبات البيت
امانى سيد
سمعت صوت خطواته وهو بيبعد عن الباب، وبعدها سمعت صوت خروجه من الشقة. قمت وقفت، مسحت وشي، وبصيت في المراية.. شوفت غالية تانية، غالية اللي قررت إنها مش هتكون “الجوكر” اللي بيسد أي عجز في ميزانية العائلة الكبيرة، غالية اللي قررت إن تعبها وشقاها ليهم تمن، وإنه مش مسموح لأي حد -حتى لو كان جوزها- إنه يتصرف في حياتها ببرود وكأنها مجرد رقم في المعادلة.
فتحت الدولاب تاني، بس المرة دي مش عشان أدور على الفلوس اللي ضاعت
ما استنيتش رجوعه. عرفت إن المواجهة في البيت مش هتجيب نتيجة، والبيت بقى خانقني بكل ركن فيه. فتحت شنطة السفر الكبيرة، وبدأت ألم هدومي وهدوم الولاد في هدوء تام، كأنني بلملم سنين عمري اللي ضاعت في “الترضية” ومحاولة إرضاء الكل.
خدت الشنط ووقفت في الصالة للحظة، بصيت للبيت اللي بنيته طوبة طوبة، وحسيت بغصة.. بس مسحتها بسرعة. نزلت من البيت، والقرار كان أقوى من أي تردد. في الطريق، دخلت السوبر ماركت، وبكل الفلوس اللي كانت باقية معايا في محفظتي الشخصية، اشتريت “أكل يكفينا” لأيام.. اشتريت كل الحاجات اللي كنت ناوية أجيبها للعزومات، بس المرة دي لينا إحنا، عشان أروح بيت أهلي “بواجبنا” وما أكونش تقيلة على حد، ولا أمد إيدي لأي حد فيهم.
وصلت بيت أهلي، وفتحت الباب بالمفتاح اللي معايا. أمي طلعتلي بخضة: “غالية؟ في إيه يا بنتي؟ وايه الشنط دي؟”
بصيت لها وابتسمت ابتسامة باهتة، وقلت لها: “مفيش يا أمي، بس محتاجة أقعد معاكم كام يوم، غيرت جو البيت.”
دخلت الأوضة اللي اتربيت فيها، فرشت هدومي، وقعدت مع الولاد ناكل اللي اشتريته، كنت باكل وأنا حاسة بمرارة، بس لأول مرة من سنين، حاسة بكرامة.
تليفوني رن، كان هو.. رديت ببرود بعد ما سيبت التليفون يرن كتير.
صوته كان عالي ومخنوق: “انتي فين يا ولية؟ والبيت فاضي ليه؟ ده أنا رجعت لقيت الدولاب ناقص هدومك.. أنتي اتجننتي؟ ارجعي البيت حالا!”
رديت عليه بصوت ثابت، لأول مرة مبيترعش:
ـ “أنا عند أهلي.. ومش راجعة. والبيت اللي كنت بتتصرف فيه ببرود، مش هتدخله تاني ولا هتشوفني فيه، إلا لما الفلوس اللي خدتها من ورا ضهري تكون في إيدي تاني. الفلوس دي مش لرفاهية، دي حق الولاد وحقي، والبيت اللي كنت بتقول هيمشي، خليه يمشي بقى من غيري.”
قفلت السكة في وشه قبل ما يلحق يرد.. رميت التليفون على السرير، وغمضت عيني، وأنا مستنية أشوف.. هو هيجيلها بنفسه؟ ولا كبريائه هيمنعه؟