طلبات البيت ٢
بقلم امانى سيد
في بيت أهلي، الأيام كانت بتمشي بهدوء وسكينة، هدوء ما عرفتوش من سنين. أهلي، من أول يوم، حلفوا عليا بالطلاق ما أمد إيدي في مصروف البيت ولا أستخدم حاجة من اللي اشتريتها. أمي كانت بتقولي بابتسامة: “يا بنتي ده بيتك، والقرش اللي معاكي خبيه ليكي ولعيالك، إحنا هنا إيه؟ إحنا سترك وغطاكِ”.
كنت بشوف في عيونهم خوف وقلق عليا، بس خوف فيه محبة مش “استغلال”. كانوا بيراعوني في كل صغيرة وكبيرة، بيحاولوا يخرجوني من حالة الانكسار اللي جيت بيها. يوم العيد، دخل عليا أخويا، كان شايل في إيده لبس جديد لأولادي وعيدية ليا، بص لي بحنية وقالي: “يا غالية، يا ست الكل، اللي فات مات، واليوم ده يوم فرحة، والفلوس دي حقك، افرحي وافرحي ولادك، وما تشيليش هم أي حد في الدنيا، إحنا سندك”.
قضيت العيد وسط ضحك ولادي، ولأول مرة كنت بحس بطعم اللمة الحقيقي. كنت باكل وأنا حاسة بـ “عزة نفس” مكنتش عارفة إنها لسه موجودة جوايا. كل ما كنت أفتكر البيت اللي خرجت منه، كنت بحمد ربنا إن الشنط اللي شلتها ما كانتش بس هدوم، دي كانت “كرامتي” اللي استرديتها.
في اللحظة دي، كنت حاسة إني فعلاً “غالية”، مش بس بالاسم، لكن بقيمتي اللي رجعت أحس بيها وسط الناس اللي بيحبوني من غير مقابل.
مرت أيام العيد على حمزة ثقيلة كأنها دهور، وفي كل لحظة كان بيحس فيها بالخسارة بتزيد. قعد في صالة بيت أهله وسط دوشة العيد وضحك إخواته، كان بيشوفهم داخلين يتبختروا بشنط هداياهم ولبسهم الجديد ودهبهم اللي بيلمع في إيديهم، وكأنهم في استعراض مش في زيارة صلة رحم.
كان قاعد بيراقب أمه وهي بتستقبلهم بابتسامة تانية خالص، ابتسامة ما شافهاش منه وهو بيسحب مني فلوس الجمعية. عينيه كانت فضحاه وهو بيشوفها بتقوم تدخل المطبخ، مش بس عشان تجهز الأكل، لأ.. عشان تلم أحلى الأصناف وتخبيها في أطباق مخصصة لبنتها، وكأن الفلوس اللي هو دفعها كانت مجرد ضريبة عشان يخدمهم ويشوفهم مبسوطين، وهو قاعد في الآخر “ضيف” ملوش قيمة عندهم.
حس ببرود مشاعرهم، فهم ساعتها إن اللي ضحى باستقرار بيته عشانهم، هما نفسهم اللي مش مقدرين ولا تعبه ولا حتى وجوده. قعدته وسطهم كشفت له الغربة اللي هو فيها، وبدأ يلمح في نظراتهم تجاهل واضح، وكأن الفلوس اللي أخدوها مني هي “تمن” للي بيعملوه، مش “جبر خاطر”. قعد يقلب بصره في الوشوش اللي حواليه، وبدأ يحس بمرارة الندم وهو بيشوف الفرحة اللي كان بانيها في بيته بتنهار، وبيدرك بوضوح إن السند الحقيقي اللي كان شايله على كتافه، هو اللي فرط فيه ببرود.
في وسط اللمة دي، حمزة كان قاعد بيسمع تعليقات إخواته على لبس ولادهم الجديد، والذهب اللي بيلمع في إيد أخته، والفلوس اللي كانت في ظرف الجمعية بقت هي اللي بتغطي كل المصاريف دي. أمه قامت بكل بساطة، شالت أحلى طبق محشي وأصناف العيد وخبته في “النيش” عشان تطلعه لأخته وهي ماشية، وحمزة قاعد بيبص لها، ومحدش حتى سأله “أنت كلت؟” أو “العيال ناقصهم حاجة؟”.
حس إن كل لقمة بياكلها في بيت أهله بقت تقيلة على قلبه، وكأنها بتفكره باللقمة اللي اتحرمت منها أنا وولادي عشان خاطرهم. بدأ يراجع شريط الأيام اللي فاتت، افتكر صوتي لما كنت بقوله “الجمعية دي شقاي”، وافتكر بروده لما قالي “الستات بتتصرف”. الموقف اللي كان فاكر إنه فيه “راجل” بيوصل رحمه، اتحول في نظره لصورة واحد مخدوع باع بيته ومراته اللي شايلين همه، عشان يشتري مكانة في بيت أهله، وفي الآخر طلع هو “الخارج” من الحسابات.
بص في الساعة، الوقت كان بيعدي ببطء، والبيوت التانية كلها كانت بتتهنى بالعيد، إلا بيته هو.. بيته اللي بقى خاوي، والهدوء اللي فيه دلوقتي بقى بيخوفه أكتر من صوت خناقاتنا. قام وقف فجأة، ومن غير ما يستنى “إذن” من حد، لبس جزمته وخرج من بيت أهله. كان ماشي في الشارع والهدوء بيحاوطه، مفيش في دماغه غير صورتي وأنا بلم هدومي، وصوت قفلة الباب اللي كانت أول جرس إنذار حقيقي في حياتنا، وإحساسه بالخيبة اللي لأول مرة يعترف بيه لنفسه إنه فعلاً “ضيع أغلى حاجة”.
مشي ناحية بيت أهلي، وعيونه كانت بتدور على شباك الأوضة اللي أنا قاعدة فيها، كان بيحاول يجمع شجاعته عشان يواجهني، بس لأول مرة، كان عارف ومدرك إنه مش رايح “يأمر” ولا “ينهي”، هو رايح “يترجى” غالية ترجع للبيت.
وقفت قدام باب بيت أهلي، وسمعت صوت خطواته المترددة على السلم. لما فتحت الباب، لقيته واقف، ملامحه مهدودة، وعيونه بتدور على أي بصيص أمل في عيوني. دخل وقعد بكسرة، وبدأ يترجاني: “يا غالية، ارجعي البيت، البيت وحش من غيرك.. أنا غلطت ومش هعمل كدة تاني، ارجعي وهعوضك عن كل لحظة زعل.”
بصيت له ببرود، الوجع اللي كان جوايا مش كلامه اللي هيمحيه، رديت بصوت واثق:
ـ “آسفك ملوش مكان دلوقتي يا حمزة.. أسفك هيفيدني بإيه؟ هيرجع لي التعب اللي شقيته طول الشهور اللي فاتت عشان ألم قرش على قرش في الجمعية؟ كنت بحلم بليلة عيد أفرح فيها في بيتي، وبكلمة منك ضيعت كل ده. أنا مش مجرد ست بتنظف وتطبخ، أنا شريكة، وكرامتي قبل فلوسي.”
حاول يبرر، وقال بنبرة مكسورة: “أنا عارف إني غلطت، وأوعدك إني هتصرف وأجيب لك فلوسك دي، حتى لو هروح لأمي أستلف منها اللي هي خدته، المهم ترجعي.”
ضحكت ضحكة فيها مرارة، وقلت له:
ـ “تستلف من أمك؟ أنت فاكر إنها هتديك مليم؟ ده هي اللي شالت الفلوس عشان بنتها، أنت لسه مش عايز تصدق؟ أمك مش هتديك حاجة، وأنا مش هستنى فضل من حد، ولا هستنى تستلف من حد عشان ترد لي حقي. أنت اللي اتصرفت من ورا ضهري، أنت اللي تدبر نفسك.”
بص لي بذهول، كان متخيل إني ممكن ألين بمجرد ما يفتح سيرة “الاستلاف” من أهله، بس هو ما كانش عارف إن السكينة اللي في قلبي خلتني أشوف الأمور بوضوح، وشافت إنه لسه بيحاول يهرب من المسؤولية برمي الكرة في ملعب أهله، بدل ما يواجه هو نتيجة غلطه.
خرج من عندي وهو في حالة تشتت، وراح لأمه وهو بيجر أذيال الخيبة، محمل بالأمل الأخير إنها تفهمه وتساعده يرجعني. دخل عليها، وحكى لها اللي حصل، وطلب منها المبلغ اللي أخدته “عشان يجبر بخاطر أخته”، عشان يرجعه لي وأنا أرضى أرجع.
بصت له أمه ببرود، وقالت بصوت حاد: “استلف؟ تستلف إيه يا ابني؟ الفلوس دي راحت في صلة الرحم، وأختك كانت محتاجة، والفلوس اللي بتدخل بيت الأم مابترجعش تاني. وبعدين أنت جاي تطلب مني فلوس عشان مراتك؟ دي اللي سابت البيت ومشيَت؟ خليها تتربى!”
في اللحظة دي، نزل الكلام على حمزة زي الصاعقة. لأول مرة، قناع “البر” اللي كان مداري بيه كل حاجة اتكسر. بص لأمه، وشاف لأول مرة الأنانية اللي كان بيبررها سنين، وشاف إنها فعلاً مش شايفة غير مصلحة بنتها، وهو بالنسبة لها مجرد “مصدر دخل”.
وقف وبص لها بعينين مكسورة بس فيها لمعة تمرد، وقال لها بصوت رجولي حازم: “بما إن الفلوس راحت ومافيش حل، فأنا عرفت دلوقتي مين اللي بيحبني ومين اللي بيحب جيبي. اسمعي يا أمي، المصروف الشهري اللي كنت ببعتهولك من ورا مراتي، ده هيتوقف من الشهر ده. بيتي أولى بيه، وعيالي أولى بالقرش ده. معاشك بيكفيكي، واللي فات من دعمي ليكي ولأختي كفاية أوي.. أنا من هنا ورايح هصرف نفسي وأبني بيتي اللي هدمته بإيدي عشان أرضيكم.”
صدمة أمه كانت واضحة على وشها، فتحت بقها من الذهول وكأنها مش مصدقة إن “الابن المطيع” اللي كان بيديها كل حاجة من ورا مراته، واقف دلوقتي بيحط حد لكل ده. ملامحها اتغيرت من الكبرياء للغضب، بس حمزة ما استناش رد، سابها وخرج.. ولأول مرة، كان حاسس إنه “راجل” قرر يصحح مساره،
خرج حمزة من بيت أمه وهو بيغلي من جوه، مش بس من رد فعلها، لكن من إدراكه المتأخر لحجم الغلط اللي ارتكبه في حقي وفي حق بيته. مشي في الشوارع التايهة، لحد ما وقف قدام بيت صاحبه المقرب، “سيد”، الشخص الوحيد اللي كان بيثق في رأيه.
دخل عليه، ومن غير مقدمات، حكى له كل اللي حصل، حكى له عن “غالية” اللي سابت البيت، وعن أمه اللي خذلته، وعن المبلغ اللي راح في العزومات. بص لصاحبه بضعف وقال: “أنا لازم أرجعها يا سيد، والفلوس دي لازم ترجع، بس مش عارف أتصرف.”
سيد، بعد ما سمع القصة، رتب له الخطة: “اسمع يا حمزة، احنا زمايل في الشغل، هنعمل جمعية كبيرة بيننا، وأنا هضمنك عند الباقيين، المبلغ اللي هتقبضه يسد المبلغ اللي راح، وأنت من ناحيتك، المبلغ اللي كنت بتديه لأمك كل شهر، هتدفعه قسط في الجمعية دي، كدة لا بيتك هيتأثر، ولا هتمد إيدك لحد، ولا هتحتاج تضغط على ميزانية البيت.”
حمزة حس إن الدنيا بدأت تفتح أبوابها تاني. وافق فوراً، وبدأوا يلموا عدد من الصحابه الموثوقين، وعملوا جمعية بمبلغ محترم. في نفس الوقت، بدأ حمزة يطبق قراره بقطع المصروف عن أمه، وبقى المبلغ ده هو “طوق النجاة” اللي هيسد بيه أقساط الجمعية الجديدة من غير ما يضطر ينقص من ميزانية البيت اللي بيحطها لي.
رجع حمزة لبيت أهلي تاني يوم، كان واقف تحت الشباك، بس المرة دي مكنش داخل يترجى، كان داخل ومعاه “خطة” عملية يثبت لي فيها إنه اتغير. طلع لي، وكان باين عليه الإرهاق بس في عينيه لمعة عزم. قال لي بصوت هادي: “يا غالية، أنا مش جاي بكلام، أنا جاي أقولك إن الفلوس اللي ضاعت مني، رجعتها من حر مالي، ومن غير ما أقرب لقرش واحد من اللي كنتي بتدبريه للبيت.. دي جمعية عملتها مع صحابي، وهسددها من الجزء اللي كنت بدفعه لأهلي، يعني بيتي وطلباته ومصاريفه هتفضل زي ما هي، بالعكس، دي هتبقى زيادة كمان.”
بصيت له، وكنت لسه متمسكة بموقفي، بس كلامه المرة دي كان فيه “أفعال” مش بس وعود، وده كان أول خيط في طريق المصالحة.
سكت للحظات، كنت بحاول أقرأ في عينيه صدق كلامه. كان باين عليه التعب من كتر التفكير، ومن كتر ما بيحاول يصلح اللي كسره.
بصيت له وقولت بهدوء:
ـ “حمزة، الموضوع مش بس فلوس، الموضوع إن الثقة اتكسرت. أنا محتاجة أحس إن بيتي ليه حرمة عندك، وإني شريكة ليك مش مجرد وسيلة بتسد بيها عجزك.”
نزل راسه، وقال بنبرة مكسورة:
ـ “أنا عارف إني غلطت، وأنا مش طالب منك تسامحيني دلوقت، أنا بس عايزك تدينا فرصة تانية، فرصة أثبتلك فيها إن بيتك هو أولويتي اللي مش هفرط فيها تاني.”
لقيت نفسي ببص للولاد اللي كانوا بيسمعونا، وشوفت في عينيهم الشوق لأبوهم ولبيتهم. حسيت إن “حمزة” اللي قدامي فعلاً اتغير، وإن التجربة دي كانت قاسية علينا إحنا الاتنين، بس كانت درس ما يتنسيش.
وقفت، وقولت له بنبرة حازمة بس فيها حنية:
ـ “هرجع معاك يا حمزة، بس بشرط.. البيت من هنا ورايح مش “مشاع” لأي حد، وأي قرار يخص بيتنا أو ميزانيتنا لازم نكون سوا فيه، لا أنا اللي أتفاجئ، ولا أنت اللي تتصرف من ورا ضهري.”
مسح الدموع اللي كانت بدأت تلمع في عينيه، وقال بامتنان:
ـ “موافق، ومستعد لكل شروطك. البيت بيتك، والقرار قرارك، وأنا اللي هبني الثقة دي من أول وجديد.”
لميت هدومي اللي كنت لسه ما فرشتهاش كويس، وخرجت معاه من بيت أهلي. الطريق للبيت كان هادي، بس كان فيه شعور جديد.. شعور إني راجعة مش عشان “أخدم” وأسكت، أنا راجعة وأنا عارفة قيمتي كويس، ومحدش تاني هيقدر يتخطى حدوده معايا. فتحت باب شقتي، ودخلت، وحسيت إن العيد الحقيقي بدأ النهاردة، مش بالفلوس، لكن بالقرار اللي خدناه سوا.