عزومه حماتى ٣

قصص وروايات أمانى سيد

رجعنا البيت على الساعة تسعة بالليل، كان يوم طويل وهادي لدرجة إننا كنا نسينا “نكد” البيت تماماً. علاء دخل بالمفتاح، وأنا وراه شايلة الولاد اللي ناموا من التعب، أول ما الباب اتفتح، اتجمدت في مكاني.
حماتي كانت واقفة قدام باب شقة ابنها في “الطرقة”، مش في بيتها، كانت واقفة لينا كأنها حارس بوابة مستني فريسته. إيدها في وسطها، وعينيها بتشرار نار، وشكلها كان يوحي إنها ما اتحركتش من مكانها لحظة واحدة من ساعة ما الضيوف مشيوا.
بصيت لعلاء اللي كان لسه بيقفل الباب، لقيته اتنهد ببرود ولا كأنه مهتم، دخل وقفل الباب وراه ببطء شديد وهي واقفة بتراقب كل حركة مننا.
حماتي ما استنتش دقيقة، صوتها هدر في الطرقة وهي بتشاور بإيدها في وشي:
ـ “يا بجحتكم! يا قليلي الأدب! جايين ببرود الأعصاب ده بعد ما فضحتوني وخليتوا شكلي زي الزفت قدام الناس؟”
بصيت لعلاء مستنية رد فعله، وهو اللي كان واعدني إنه “هيتصرف”، لقيته ركن مفاتيحه على الترابيزة ببطء، ووقف قدام أمه بوش خالي من أي تعبير، وقال بهدوء مخيف:
ـ “فضحتك؟ يا أمي، إحنا اللي فضحناكي ولا إنتي اللي حطيتي نفسك في الموقف ده؟”
حماتي اتجننت أكتر، قربت منه وضربت الأرض بإيدها:
ـ “أنت كمان بتفتح بوقك يا علاء؟ دي الهانم مراتك هي اللي شحنتك، هي اللي خلتك تهرب عشان تكسفني.. أدي الأكل اللي دفعته من دمي ومن شقايا عشان أغطي غلطتكم، وكل ده بسببكم!”
بصيت للأطباق في الحوض اللي باينة من باب المطبخ المفتوح، وبعدين بصيت لحماتي، ولقيت نفسي لأول مرة مش خايفة.. كنت حاسة إن “القناع” اللي كانت لابسته قدام الضيوف وقع، وفضلت بس الحقيقة المرة.
علاء ضحك ضحكة قصيرة بسخرية، وقرب من أمه خطوة، وقال بنبرة صوت تقيلة:
ـ “يا أمي، اللي يدفع فلوس عشان يغطي غلطته، ملوش حق يلوم غير نفسه. إحنا معملناش غلط، إحنا ريحنا أعصابنا من عزومة إنتي اللي فرضتيها.. ومتقوليش إن ولادك هما السبب في ‘فضيحته’ اللي إنتي خايفة منها، لأن اللي بيخاف على كرامته، مبيحطش نفسه في مواقف أكبر من طاقته.”
علاء ملامحه اتغيرت فجأة، الهدوء اللي كان عليه اختفى تماماً وحل محله غضب مكتوم انفجر في وش أمه. خطى خطوة ناحيتها، وصوته عليّ وهو بيشاور بإيده على الشقة اللي إحنا واقفين قدامها:
ـ “انتي عارفة ظروفي كويس يا أمي! لسه خارجين من مصاريف العيد ولبس العيال، والبيت ميزانيته يا دوب ماشية بالعافية.. إنتي عايزة إيه بالظبط؟ عايزة مراتي تشحت عشان تعزم أهل أختي وتعملي فيها ست الكل قدامهم؟”
حماتي اتفاجئت بحدته، اتراجعت لورا خطوة ووشها بقى أحمر من الغضب والذهول:
ـ “تشحت؟ إيه الكلام القليل الأدب ده يا علاء؟ أنا بقولك أصول، كان المفروض تتصرفوا، الدنيا سلف ودين!”
علاء قاطعها بصوت أعلي ونبرة قوية خلتني أحس إن لأول مرة فيه درع بيحميني:
ـ “الأصول مش إنك تحطينا في موقف زي ده وتطلبي من ولاء تروح تمد إيدها لأهلها! الأصول إنك تحترمي خصوصية بيتي وظروفي، مش تيجي تفرضي عزومة 35 فرد في يوم وليلة وتطلبي مني أتدين عشان شوية منظرة فارغة!”
ساد صمت رهيب في الطرقة، وصوت أنفاس علاء العالية كان مسموع. حماتي كانت بتبص له بصدمة، مش مصدقة إن ابنها اللي كان دايماً “بيسمع الكلام” وقف قدامها بالشجاعة دي وواجهها بالحقيقة اللي هي كانت بتحاول تهرب منها.
بصيت لعلاء، كان عروق رقبته بارزة من كتر العصبية، وبعدين التفت لأمه وكمل وهو بيشاور على باب شقتنا:
ـ “أنا آسف يا أمي، بس العزومات اللي بتتعمل على حساب بيتي وكرامتي وضغط مراتي، ماليش فيها. وياريت الموضوع ده يتقفل هنا، لإن لو اتكرر، أنا مش هسكت.”

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *