داخل غرفه العمليات ١

قصص وروايات أمانى سيد

سحبت نفسي بالعافية، حاولت أعدل قعدتي، ووجع العملية كان بيصرخ في جسمي، بس وجع قلبي كان أعلى بكتير. بصيت لمراتي التانية اللي كانت لسه متمسكة بإيدي، والولد قاعد جنبها عيونه متعلقة بيا، سألتها بصوت مخنوق:
“سمر.. هي سمر فين و قالتلك إيه بالظبط لما كلمتك؟ كانت عامله إزاي؟ واخدة بالها من البنات؟ طيب هي راحت فين لما سابت المستشفى؟”
اتنهدت هي وبصت للأرض، كأنها بتجمع الكلمات اللي خايفة تقولها، وبعدين رفعت عينها فيا وقالت بصوت هادي ومكسور:
“مدام سمر كانت غريبة يا أحمد.. كلمتني بصوت ثابت، ثابت لدرجة خوفتني أكتر من العياط. قالتلي بالحرف: ‘أحمد في المستشفى، عمليته صعبة، ومحتاج ابنه ومحتاجك جنبه دلوقتي، أنا قمت بالواجب اللي كان عليه، والباقي أمانة في رقبتكم’. ما قالتش أكتر من كدة، ما سألتنيش مين أنا، ولا حتى لامتني على حاجة.”
سكتت لحظة، كأنها بتسترجع المشهد، وكملت:
“لما وصلنا هنا، لقيتها واقفة في الممر بره الأوضة دي، كانت بتنتظرنا. مجرد ما شافتني أنا والولد، شورتلي على باب الأوضة، وقالتلي ببرود: ‘ادخلوا، هو محتاجكم’. حاولت أسألها هي رايحة فين، أو اطمن منها عليك، بصتلي نظرة.. مش عارفة أوصفها، نظرة كأنها شافت فيا حياتها التانية اللي اتسرقت منها. وقبل ما أنطق بكلمة تانية، سابتنا ومشت.. مشيت بخطوات واسعة، من غير ما تلتفت وراها ولا مرة.”
حسيت الدنيا بتلف بيا أكتر. يعني هي ما كانتش بس بتنفذ الوصية.. هي كانت بتنهي دورها في حياتي.
غمضت عيني، والدموع خانتني ونزلت على خدي. سمر مشيت، وخدت معاها حقي في بناتي، وخدت معاها بيتي، وسابتني هنا، وسط “الوصية” اللي كنت فاكر إنها هترتب حياتي، بس هي في الحقيقة.. فرقتها لقطع لا يمكن تتجمع تاني.قصص وروايات أمانى سيد عدى أسبوع كامل وأنا في المستشفى، أسبوع كان أطول من عمري كله. طول الأيام دي، كنت عايش على أمل إن الباب يتفتح وتدخل “سمر” ومعاها البنات، ولو حتى عشان تصرخ في وشي، أو تطلب الطلاق، أو حتى تشتمني.. أي رد فعل كان أهون بكتير من السكوت ده.اللى عايز يشوف الحصرى والجديد يعمل متابعه على صفحتى قصص وروايات أمانى سيد
مراتي التانية كانت بتحاول تقوم بكل حاجة، بتخدم، وبتاخد بالها من الولد، وبتحاول تقرب مني، بس كل حركة منها كانت بتزود المسافة اللي بيني وبين بيتي الأولاني. كنت ببص لكل اللي داخلين المستشفى، أي حد بيعدي من قدام باب الأوضة، قلبي كان بينط من مكانه وأقول أكيد هي.. بس خيبات الأمل كانت بتتكرر كل يوم، وكل ساعة.
لا سمر جات، ولا حتى سألت، ولا البنات اتصلوا بيا يطمنوا.. تليفوني اللي كان على الكومودينو، كنت بفتحه كل شوية، براجع سجل المكالمات، وبدخل على رسايل الواتساب، يمكن ألاقي مسج واحدة، عتاب، توبيخ.. أي حاجة تقول إنهم لسه فاكرين إني موجود، أو إن ليا مكان في حياتهم. بس مفيش، مفيش أي أثر.
حتى التليفونات اللي كنت ببعتها لسمر، كانت بتوصل، بس مفيش رد. كانت بتشوف الرسايل -علامتين الصح الزرقاء بتظهر- بس مفيش حرف واحد بيرد على كل الوجع اللي ببعته.
بمرور الأيام، بدأ يقين مرعب يتسرب لقلبي.. سمر مش بس سابت المستشفى، سمر سابت حياتي، سابتني وخدت معاها البنات وقطعت كل الخيوط اللي كانت بتربطنا. عرفت في الأسبوع ده إن “الوصية” اللي كنت فاكرها طوق النجاة، كانت هي الحبل اللي خنقت بيه نفسي، وهي السكينة اللي قطعت بيها علاقتي باللي فعلاً كانوا بيحبوني.
كنت قاعد على السرير، باصص لشباك الأوضة، شايف الناس بره ماشية في حياتها عادي، وأنا بقيت غريب في دنيتي.. بقيت لوحدي رغم إنهم حواليا، وحيد رغم وجود اللي كنت بخبي وجودهم عشان أرتاح. الأسبوع ده علمني إن في كسور مفيش دكتور ولا عملية تقدر تعالجها، وإن الندم لما بييجي متأخر، بيكون طعمه أمر من الموت نفسه.
المشكلة الاكبر اللى حسستنى انى صغير لما خرجت وواجهتها

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *