عمري ما وثقت حكايات رومانى مكرم 3
تاني يوم الصبح، صحيت وأنا نامي على الكنبة في الصالة. الشقة كانت هادية، بس هدوء يختلف عن كل يوم.. هدوء تقيل ومخيف.
بصيت على الترابيزة، لقيت الدفتر الصغير والعلبة القطيفة زي ما هما.. أسماء ملمستهمش. قمت دخلت المطبخ، لقيتها جهزت الفطار وحطته على السفرة، وسابت لي ورقة صغيرة مكتوب فيها بخطها المرتب: *”أنا نزلت الشغل.. الفطار جاهز، والدهب والدفتر عندك.. اتصرف فيهم عشان تبدأ تحركك.”*
مسكت الورقة وأنا حاسس بغصة في حلقي. الست اللي كنت فاكرها مستنية الفرصة عشان تاكل مالي، سايبالي شقا عمرها كله في علبة قطيفة ونازلة تشقى في حر الصيف عشان متسبنيش مكسور.
نزلت في اليوم ده، بس مبعتش الدهب ولا لمست الدفتر.. رحت على شركتي القديمة في القاهرة، قابلت المدير، وبفضل الله وخبرتي في السفر، وافقوا يرجعوني الشغل فوراً براتب كويس، وصممت أبدأ من تاني يوم عل طول.. الطحن هو الحاجه الوحيدة اللي كانت ممكن تنسيني الوجع.
بعدها، ركبت القطر ورحت طنطا.. مكنش ينفع أهرب.
دخلت شقة أمي وأنا حاسس إني غريب. أول ما شافتني، قامت وجت عليا وهي بتعيط وتدعي لي، وأخويا الكبير كان قاعد، منكس راسه في الأرض ومش قادر يحط عينه في عيني.
أمي مسكت إيدي وقالت: “سامحني يا قلب أمك.. والله ما كان قصدي أكسر ضهرك، بس أخوك كان هيضيع.”
بصيت لها ودموعي نزلت، وقلت بنبرة هادية بس طالعة من وسط قلبي: “مسامحك يا أمي.. إنتي أمي ومقدرش أزعل منك، والفلوس اللي راحت فداكي وفدى أخويا.. بس أنا مش زعلان على الفلوس، أنا زعلان على عمري اللي ضاع في الشك.. نصيحتك ليا زمان هي اللي دمرت بيتي.”
التفت لأخويا وقلت له: “أنا مش عايز منك الـ 300 ألف دولار.. أنا عايزك بس تقف على رجلك ومتوجعش قلب أمك تاني.”
سبتهم ورجعت القاهرة وأنا حاسس إن فيه حمل جبل انزاح من فوق صدري، بس الحمل الأكبر كان لسه مستنيني في شقة عين شمس.
مرت الأسابيع والشهور، وبقيت عايش مع أسماء في شقة واحدة.. بس كأننا في بلدين مختلفين. كنا بناكل مع بعض، وبنتكلم في حدود مصاريف البيت والطلبات، بس مفيش كلمة زيادة.. مفيش الضحكة الصافية اللي كانت بتملى المكان، ومفيش الأمان اللي كان في عينيها.
كل شهر، أول ما كنت بقبض راتبي، كنت باجي أقعد قدامها على السفرة، وأطلع المرتب كله أحطه في إيدها، وأقولها: “ده المرتب يا أسماء.. خدي منه مصاريف البيت، وشيلي الباقي في الدفتر بتاعك.. في المكان اللي إنتي شايفاه صح.”
كانت تبص للفلوس، وتبص لي، وتاخدها من غير ما تنطق بكلمة.. تحطها في الدفتر، وتسجل بالقرش، بس من غير ما تقولي “شكراً” أو تبتسم.