عمري ما وثقت حكايات رومانى مكرم 3
كنت بموت في اليوم مية مرة وأنا شايف السد الخفي اللي بيننا بيعلى، وبقيت بعمل كل حاجة عشان أهد السد ده. بقيت أقعد معاها في البلكونة، أساعدها في سقي الزرع، أهتم بتفاصيل يومها، وأحاول أفتح معاها حكاوي.. وهي كانت بترد على قد السؤال.
لحد ما جه يوم.. بعد حوالي سبع شهور من رجوعي.
كنت راجع من الشغل تعبان جداً، دخلت الشقة ملقتهاش في الصالة. مشيت ورا ريحة البخور لحد ما وصلت باب البلكونة.. لقيتها قاعدة، والسرير الصغير بتاع الزرع منور، وهي ماسكة الدفتر الصغير في إيدها.. بس مكنتش بتكتب.
كانت بتبكي.. بتبكي بحرقة وبصوت مكتوم.
قلبي اتعصر، وقربت منها بالراحة وقعدت على ركبي قدامها زي الليلة المشؤومة ديك، ومسكت إيدها.. المرة دي ممانعتش ولا سحبت إيدها.
بصت لي وعينيها مليانة دموع وقالت بصوت يقطع القلب:
“أنا تعبت يا أحمد.. تعبت وأنا بمثل إني قوية ومبقتش قادرة أشيل أكتر من كده..”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
مسكت إيدها وضغطت عليها براحة، ودموعي أنا كمان نزلت، وقلت لها: “أنا اللي تعبتك يا أسماء.. أنا اللي هديت بأيدي كل حاجة حلوة بنيناها. لو عايزة تصرخي في وشي اصرخي، لو عايزة تلوميني لوميني، بس بلاش السكوت ده.. السكوت ده بيموتني بالبطيء.”
أسماء مسحت دموعها بكف إيدها التانية، وبصت للدفتر اللي في حجرها وقالت بنبرة وجع:
“عارف يا أحمد.. أصعب حاجة في الدنيا مش إن فلوسك تضيع، أصعب حاجة إنك تكتشف إن السنين اللي عشتها مع حد وأنت مأمن له، كان هو شايفك فيها عدو! أنا كنت كل ما أبص في عينك الشهور اللي فاتت دي، أشوف نظرة الشك القديمة، وأسأل نفسي: هو اتغير فعلاً وعِرف قيمتي؟ ولا هو راجعلي ومستحملني بس عشان مكسور ومعندوش ملجأ تاني؟”
الكلمة نزلت عليا زي السكينة.. فهمت ساعتها إن الوجع اللي في قلبها كان أكبر بكتير من مجرد زعل. هي مكنتش بتعاقبني، هي كانت خايفة مني.. خايفة تفتح لي قلبها تاني فتتوجع نفس الوجعة.
وقفت، ودخلت الأوضة وجبت العلبة القطيفة القديمة والدفتر الصغير بتوعها اللي ملمستهمش من يومها، وحطيتهم في حجرها وقلت لها بصوت ثابت وطالع من أعماق قلبي:
“أسماء.. أنا لما رجعتلك المرة دي، مرجعتش عشان مكسور أو معنديش مكان أروحه. أنا لو كنت عايز فلوس، الشركة كانت متمسكة بيا في الغربة وراتبي كان هيتضاعف.. ولو كنت عايز مكان، بيت أمي مفتوح لي. أنا رجعت عشان اكتشفت إن شقا عمري الحقيقي مكنش الـ 300 ألف دولار.. شقا عمري الحقيقي كان الست اللي وقفت في البلكونة دي عشر سنين تدعي لي وتحوش من ورايا عشان تسندني.”