اكل جوزي ٢ حكايات زهرة
وصلت البيت، فتحت الباب بإيد بترتعش، الشقة كانت هادية وريحة البخور اللي بيحبه مالية المكان. دخلت أوضة النوم ووقفت قدام المراية.. كنت شاحبة وزي الميتة، وبقيت أسأل نفسي: “يعني التحاليل بتاعتي طلعت سليمة توب التوب، عشان أنا مكنتش بدوق أكل سامح؟ يعني هو كان قاصد يـمـوتـني أنا بالبطيء؟!”
فجأة افتكرت كل مرة كان بيصر فيها إني آكل الأكل وهو سخن.. افتكرت نظرته الحنينة وهو بيقولي: “كلي يا حبيبتي عشان وشك ينور”.. النظرة دي اللي كنت بفتكرها حب، طلعت نظرة ذئب بيراقب فريسته وهي بتموت بالبطيء! واكتشفت إن الشطة الكتير والمشطشط اللي كان بيحطه مكنش عشان هو صعيدي وبيحب الحامي، ده كان بيحط الشطة والبهارات الكتير دي بالذات عشان تغطي على طعم وملمس السم!
قعدت على السرير وجسمي كله بيلتفض، وقولت لنفسي: “أنا لازم
أتاكد.. لازم ألاقي دليل قبل ما يرجع.. وقبل ما أواجهه”.
قمت زي المجنونة، وبدأت أفتش في البيت.. فتشت في المطبخ، في علب التوابل، تحت الحوض، في وسط الأكياس.. مفيش حاجة غريبة. دخلت على أوضة المكتب بتاعته، وبدأت أفتح الأدراج درج درج.. كانت كلها أوراق شغل وحاجات عادية. لحد ما عيني وقعت على جزامة قديمة في البلكونة هو حاطط فيها أدوات التصليح والعدّة بتاعته ومقفل عليها بقفل.
جبت شاكوش من المطبخ، وبكل غل وخوف وقوة جياالي من بره الدنيا، ضربت القفل لحد ما اتكسر. فتحت الضلفة، وبدأت أفتش وسط العلب والبرطمانات القديمة، لحد ما لقيت كيس أسود صغير مستخبي ورا علبة دهان قديمة.
فتحت الكيس.. لقيت جواه علبة دواء برطمان زجاجي ملوش أي اسم ولا تيكت، وجواه بودرة بيضاء ناعمة مفرومة، وجنبه قطارة طبية صغيرة فيها سائل شفاف ملوش ريحة. وجنبهم.. الأبشع من كده.. لقيت نوتة صغيرة مكتوبة بخط إيده!
فتحت النوتة وبدأت أقرأ.. وكان مكتوب فيها بالتاريخ والأيام:
“السبت: تم وضع نقطتين من السائل في طاجن التورلي.. مروة أكلت نص العلبة وقالت معدتها تعبانة.. التأثير بطيء بس شغال”.
“الثلاثاء: زودت الجرعة لنص معلقة بودرة في محشي الكرنب.. اشتكت من حرقان.. لازم أزود الشطة عشان متخدش بالها من طعم المرارة”.
“الخميس: مروة وشها دبلان وبتشتكي من خمول.. الخطة ماشية صح، هانت يا حبيبتي، كلها كام شهر واريحك واريح نفسي”.
وقعت على أرض البلكونة والنوتة في إيدي.. كنت بصرخ من غير صوت، دموعي كانت بتحرق وشي.. الراجل اللي عايشة معاه تحت سقف واحد وبخدمه برموش عيني، بيخطط لـقـتـلي وبيدون ده باليوم والساعة! بس السؤال اللي كان هيجنني.. ليه؟! إيه السبب اللي يخليه يعمل كده؟ إحنا متجوزين عن قصة حب، ومفيش بيننا أي مشاكل، ولا ورث، ولا أنا من عيلة غنية عشان يطمع فيا!
وفي وسط ذهولي، سمعت صوت الباب الخارجي بيفتح.. سامح رجع!
حطيت الكيس والنوتة في جيب روبي بسرعة، وحاولت أجمع ثباتي الانفعالي على قد ما أقدر، وطلعت الصالة.
سامح أول ما شافني، ابتسم ابتسامته الحنينة المعتادة اللي بقت بالنسبالي دلوقتي أبشع من نظرة الشيطان، وقال وهو بيقلع جزمته: “مالك يا مروة يا حبيبتي؟ وشك أصفر كده ليه وتعبان؟ معقول مأكلتيش علبة الغدا بتاعة النهاردة برضه؟”
كل خليه في جسمي كانت بتصرخ وتقولي اجري.. بس ثبت رجلي في الأرض، وبلعت ريقي وبصيت في عينه مباشرة وقولتله بنبرة هادية غريبة عليا: “سامح.. ندى زميلتي في الشغل جالها تسمم حاد وفشل كلوي النهاردة في الكشف الطبي. . وهتـمـوت”.
شارك