جنيه، حكايات رومانى مكرم 1

قفل السكة في وشي، وساب التهديد بياكل في عقلي. بصيت لأبويا اللي كان واقف ورا الباب وسامع كل كلمة، ولقيت في عينه نظرة تانية خالص.. نظرة راجل فقير جيباً، بس غني كرامة، وعنده استعداد يهد الدنيا عشان خاطر بنته.

 

وفجأة لقيت عربية نص نقل قديمة، صوت مكنتها بيعافر مع زحمة الشارع، بتقف قصاد الميكروباص بالظبط. نزل منها أبويا، الحاج الصاوي، بجلبابه الصعيدي وشاله الأبيض اللي ريحته هيبة ودفا. أول ما عينه جت عليا وشاف كسرة نفسي وشيلتي للبيبي وأنا مش قادرة أقف، عينه احمرت وعروق جبهته برزت، لكنه كتم غيظه، وقرب مني بخطوات سريعة وفتح لي باب العربية النصف نقل، وأخد مني الكاريكات براحة كأنه بيشيل حتة من قلبه.

أبويا راجل على قد حاله، شغال أرزقي بيجري على أكل عيشه بيومه، وعربيته دي هي كل حيلته في الدنيا، بس في اللحظة دي.. كنت شيفاه راكب أعلى من أعلى عربية زيرو في العالم. ركبت جمبه، ومسك إيدي اللي فيها أنسيال المستشفى، وقال لي بكلمة واحدة هزت كياني:

“طول ما الصاوي عايش على وش الأرض، دموعك دي تمنها غالي أوي يا صابرين.. نامي يا بنتي وارتاحي، أنتِ في حمايا.”

وصلنا بيت أبويا، البيت البسيط اللي جدرانه ساندة بعضها بالعافية، بس مليان حنية وستر. دخلتني أمي بحضنها الواسع، وأبويا خرج يجيب لي العلاج والمسكنات من الصيدلية بفلوس استلفها من جاره وهو رافع راسه، ومخلانيش أحس بأي عجز.

مرت ساعات الليل وأنا نايمة مش مصدقة إني وسط أهلي، لحد ما النهار طلع، وصحيت على صوت موبايلي وهو بيرن برقم “معتز”.

رديت والبرود مالي قلبي، وكنت فاكرة إنه بيتصل يطمن أو يسأل دخلت البيت إزاي، لكن صوته جه من الناحية التانية كله غل وقسوة:

“أنتِ فاكرة نفسك روحتي فين يا صابرين؟ فاكرة لما تروحي لراجل ميت حيل مش لاقي ياكل، وتتحامي فيه، إنه هيقدر يقف قصادي؟”

ضحكت بوجع، وقلت له: “أبويا الصاوي، اللي بتقول عليه مش لاقي ياكل، سواه الهوا بالناس، ومسبنيش في الشارع زي ما أنت عملت.”

معتز صوته علي أكتر وبدأ يهددني بكل ثقة، مستغل فقر أهلي:

“اسمعي يا بت الناس.. أنتِ هترجعي بيتك ورجلك فوق رقبتك، والواد ده أنا هاخده منك بالقانون وبالعافية لو فكرتي تلاعبي بي حوار الطلاق. أبوكِ آخره يشتغل يوم ويقعد عشرة، مش هيقدر على مصاريف محامين، ولا هيقدر يصرف عليكِ وعلى ابنك. أنا معايا الفلوس والعربية والضهر، وأبوكِ لو فكر يقف قصادي، هحبسهولك بـ وصل أمانة من بتوع زمان، أو هخليه يلف حوالين نفسه في المحاكم لحد ما يشحت. قدامك ٢٤ ساعة تلمي هدمك وترجعي، وإلا قسماً بالله هحرمك من ابنك طول عمرك، وأخلي أبوكِ يندم على اليوم اللي فكر يرفع راسه فيه قصادي!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *