جنيه، حكايات رومانى مكرم 1
بس وأنا واقفة في الشمس دي، شايلة حتة اللحمة الحمراء دي بين إيديا، الغشاوة شالت من على عيني وشفت الحقيقة واضحة زي الشمس.
ده مكنش يوم وحش.. ده أصلهم وطبعهم الندل.
قرب مني معتز وقال بقلة ذوق:
“روحي البيت بقى من سكات، أمي مش ناقصة طاقة سلبية ونكد على الغدا النهاردة.”
طاقة سلبية..
ده الوصف الجديد للأم اللي لسه قايمة من الولادة وبتنزف!
هزيت راسي براحة..
مش عشان موافقة، لأ، عشان الكلام مع اللي زي دول خسارة.
لفيت ضهري ومشيت قبل ما يشوفوا دموعي وهي بتغرق وشي.
دقيقتين والميكروباص جه، وسبحان الله، السواق – وكان راجل شهم وأصيل – شافني تعبانة، نزل بنفسه من على الدريكسيون، وأخد مني الكاريكات ووسع لي الكرسي القدامي وقال لي: “براحتك يا ست الكل، خطوة عزيزة”.
غريب وعابر سبيل..
أظهر لي في تلاتين ثانية من الجدعنة والرحمة، أكتر من اللي شفته من جوزي وعيلته في سنين.
والميكروباص بيتحرك، بصيت من الشباك..
كان معتز بيضحك على نكتة، وأمه متبسمة على الآخر، وأخته بتظبط الطرحة وبتتصور سيلفي.
محدش فيهم حتى كلف خاطره يبص ورا العربية يشوفني ركبت ولا اتكلفت.
فجأة موبايلي اتهز في إيدي..
إشعار من الفيس بوك.
أخته شيريهان نزلت صورة “ستوري”.
كاتبة عليها: “أحلى غدوة مع الناس اللي تهمنا وبتحبنا بجد 🤍✨”
الصورة فيها تلاتتهم رافعين كبايات العصير وبيضْحكوا من قلبهم.
مفيش أي سيرة ليا، ولا للبيبي اللي لسه واصل الدنيا.
مجرد غل وفرحة إنهم استقردوني.
بح لقت عيني في الشاشة لحد ما زغللت، وبعدين بصيت لابني اللي نايم زي الملاك على صدري ومطمن في حضني.
في اللحظة دي، حسيت بنار قايدة جوايا انطفت، وحل مكانها برود ويقين.
طول سنتين كنت بتهرب من مكالمة واحدة..
عشان المكالمة دي معناها إني هعترف قدام نفسي إن جوازتي طلعت فاشلة، ومعناها إني هقول لأبويا “حقك عليا، أنت كان عندك حق وأنا اللي مشيت ورا قلبي”، ومعناها إني بطلب النجدة.
الميكروباص وقف في إشارة العتبة.
فتحت الأسماء.. وجبت رقم مكلمتوش من شهور..
ودوست اتصال.
الخط رن أول مرة.. التانية.. التالتة..
“ألو.. إزيك يا صابرين يا بنتي؟”
أول ما سمعت بحة صوت أبويا الحنينة، السد اللي جوايا انهار، وعيطت بحرقة وهمست:
“أبويا.. ينفع تيجي تاخدني أنا وحفيدك؟”
#الكاتب_رومانى_مكرم
الدنيا سكتت ثانية.. وفجأة سمعت صوت كرسي أبويا الخشب وهو بيتهبد في الأرض من لفته السريعة، وقال بصوت هز الأرض:
“أنتِ فين بالظبط يا بت الصاوي؟”
وصفة له المكان، فرد عليا بكلمة واحدة ريحت قلبي: