أمير أخد نفس طويل، وعروق رقبته رجعت تبرز تاني من كتر الغيظ من كلام أمه، وبص لها بعين قوية وثابتة وقال بنبرة حاسمة هزت الصالة: ـ "مساعدتي لأختي وواجبي ده لما أكون أنا اللي معايا وقادر يا أمي، مش آخد فلوس ناس تانية وأقول ده واجبي! مراتي مش ملزمة بنواقص بنتك، والعريس هو اللي ملزم يفرش بيته وشقته، ولو أهل العروسة ساعدوا في حاجة يبقى ده تفضل منهم وإحسان، مش واجب فرض عليهم!" التفت لمنيرة اللي كانت واقفة تبص له بلوية بوز، وكمل كلامه وهو بيشاور بإيده: ـ "خطيب بنتك لو مش قادر يفرش شقته وعايزنا نساعده في كل حاجة، يبقى يقول شكراً ويرضى باللي نجيبهوله على قد لحافنا! إنما إحنا مانضغطش نفسنا ونستبيح فلوس الغريب عشان نرضيه.. هو يوم ما جه وتقدم، شافنا وراضي بوضعنا وبظروفنا، محدش ضربه على إيده!" بص لأمه تاني وقال بصوت جهوري مفيش فيه تراجع: ـ "كلامي خلص يا أمي.. فلوس نهلة اللي أخدتوها تطلع دلوقتي حالا، أنا مش هطلع من هنا وفلوس حمايا في جيبكم، ومش هسمح إن كرامة مراتي وبيتي تتهان عشان منظرة كدابة قدام ناس غُرب!" حماتي اتصدمت من رد فعله وقوته اللي مكانتش عملا حسابها، وبصت لمنيرة وهي مش مصدقة إن أمير وقف في وشهم وكسر كلامهم بالمنظر ده. حماتي وشها جاب ألوان، وبقت تبص لأمير بذهول، كأنها مش مصدقة إن ابنها اللي كان ديماً بيعدي ويقول "حاضر" واقف قصادها النهاردة بيكسر كلمتها وبيرد عليها بالحجّة والدليل. حطت إيدها في وسطها وقالت بنبرة اتهام وعينها بتطق شرار: ـ "بقى كدة يا أمير؟ بتبيع أمك وأختك عشان خاطر الست نهلة؟ بقى إحنا اللي بنتمظهر كدابين؟ ده بدل ما تقف جمب أختك وتكون سندها؟" أمير مردش عليها بالصياح، لقى نفسه هدي فجأة بس هدوءه كان أرعب من عصبيته، وقال بنبرة باردة وحاسمة: ـ "أنا مابيعتش حد يا أمي، أنا بجيب الحق. والسند مش معناه إني أسرق حق مراتي وأكسر عينها قدام أهلها عشان أستر بنتك. الفلوس فين؟" منيرة لما لقت أخوها قفل كل الأبواب، بدأت تعيط بتمثيل ولوت بوزها وهي بتقول: ـ "شفت يا أمي؟ شفت ابنك بيعمل فينا إيه قبل خطوبتي بأيام؟ عايزني أطلع قليلية قدام أهله؟" أمير مالتفتش ليها حتى، وفضل عينه في عين أمه مستني الفلوس. حماتي لما لقت إن مفيش فايدة، وإن أمير مش هيتحرك من مكاني إلا بالقرشين، مشيت خطوتين بغيظ ناحية الدولاب، فتحته وطلعت رزمة الفلوس، رمتها على الطرابيزة بغل وقالت وهي بتدير وشها الناحية التانية: ـ "خدهم! خدهم يا سيدي واشبع بيهم وبست نهلة بتاعتك، بس افتكرها يا أمير.. افتكر إنك في أول زنقة لأختك اتخليت عنها عشان خاطر واحدة غريبة!" أمير مد إيده بكل عزة نفس، أخد الفلوس وعدّها، وحطها في جيبه وبص لأمه للمرة الأخيرة وقال: ـ "نهلة مش غريبة، نهلة مراتي وبيتي.. واللّي يمسها يمسني. سلام يا أمي." لف ضهره وخرج، وقفل الباب وراه، وأنا كنت واقفة فوق على السلم سامعة كل كلمة.. دموعي النحادي كانت نازلة، بس مكانتش دموع قهر، كانت دموع راحة وفخر إن الراجل اللي اخترته وسندته، طلع يستاهل السند ومكسرش بخاطري ولا رخصني. طلع أمير السلم بخطوات أسرع، وأنا جريت على جوة الشقة وقعدت على الكنبة وأنا بحاول أظبط نَفَسي وأمسح دموعي عشان ما يحسش إني كنت واقفة على السلم وبسمعهم. دخل من الباب، وشه كان لسه عرقان ومخطوف من شدة الأعصاب، بس أول ما عينه جت في عيني، ملامحه هديت شوية. قرب مني بخطوات هادية، ومد إيده وطلع رزمة الفلوس وحطها في إيدي، وقال بصوت حنين وفيه ريحة اعتذار: ـ "خدي يا نهلة.. دي فلوسك كاملة اهي. حقك عليا يا بنت الأصول، أنا آسف على أي كلمة اتقالتلك وجرحتك، ومتقلقيش.. طول ما أنا عايش محدش هيقدر يكسر بخاطرك ولا يمد إيده على حاجة تخصك تاني." بصيت للفلوس اللي في إيدي، وبعدين بصيت لوشه، وحسيت إن الحمل اللي كان كاتم على نفسي كله انزاح. قومت وقفت وقربت منه، وقولت بنبرة صافية مفيهاش أي غل ناحيته: ـ "الله يجبر بخاطرك يا أمير زي ما جبرت بخاطري ورفعت راسي. أنا مكانش هامي الفلوس على قد ما كان هامي أحس إن ليا ضهر وسند في البيت ده، والنهاردة أنت أثبتلي إني مكنتش غلطانة لما صبرت واستحملت معاك." ابتسم بتعب وطبطب على كتفي وقال: ـ "أنتي مراتي وشرفي يا نهلة، والراجل اللي مفيش فيه خير لمراته وبيته ميبقاش راجل. ياللا بقا، شوفي كنتي عايزة تجددي إيه في الشقة، وانزلي هاتي الفستان اللي نفسك فيه عشان تظهري زي القمر في فرح أختك ومحدش يكون ليه عندك حاجة." في اللحظة دي، حسيت إن البيت البسيط ده رجعتله روحه تاني، والستائر الدايبة اللي كنت مكسوفة منها، مبقتش شايفاها غير حيطة سد حمتنا إحنا الاثنين لما وقفنا مع الحق. مرت الأيام، ونفذت كل اللي كان نفسي فيه. نزلت مع أختي وجبت فستان شيك جداً يليق بيا ويفرح قلبي وقلب أبويا لما يشوفني، واشتريت الستائر الجديدة وجددت الصالة، والبيت بقى ينور ويفتح النفس وبقيت جاهزة أستقبل أي حد من غير كسوف أو قلق. أمير من ساعتها بقى حاسم أكتر، وحماتي ومنيرة لما لقوا إن البيت ليه راجل بيقف للحق وبيحمي مراته، لزموا حدودهم، ومبقتش واحدة فيهم تجرؤ تلمح حتى بكلمة على قرش يدخل بيتي أو مصروف يديهوني أبويا. يوم فرح أختي، كنت واقفة وسط أهلي والكل بيباركلي ومبسوط بيا، وأبويا جه خدني في حضنه وهمس في ودني وهو فرحان بفستاني وبشكلي: ـ "منورة وسط الناس يا نهلة يا بنتي.. بصيت لأمير اللي كان واقف بعيد بيتكلم مع إخواتي وهو مبتسم، وحسيت وقتها إن الـ ٢٠٠٠ جنيه دول مكانوش مجرد مصروف، دول كانوا الاختبار اللي بينلي معدن الراجل اللي عايشة معاه، والحمد لله إنه طلع أصيل وماهانتش عليه عشرتي. وانتهت الحكاية وأنا راسي مرفوعة، وبيتي عمران بالستر والأصول اللي متترباش بفلوس الناس، لكن بتتدفن في النفوس الشبعانة. **تمت الرواية** > **بقلم الكاتبة/ أماني سيد** >