سبوع بنتى
انجى الخطيب
في سبوع بنتي اللي جبتها بعد خمس سنين جواز بعملية حقن مجهري وفرحانة بيها حصل من حماتي اللي لايمكن كنت اتخيلة في يوم…
عملت سبوع كبير لبنتي وعزمت فيه كل الناس اهلي واهل جوزي وصحابي وجيراني ومن اول السبوع وحماتي اعدة مش طايقة نفسها ولا طايقة حد وبتعيب علي كل حاجة حتي مقالتش ليا مبروك ولا شالت البنت ولا شوفتها فرحانة بيها..
مهتمتش وقولت مش هسيبها تبوظ فرحتي ب بنتي والسبوع بتاعها…
بنتي اهلي جابولها هدابا كتير دهب وهدايا عادية بس غالية عشان دي اول فرحتهم كنت بحطهم في اوضتها اللي عملاها ليها…
شوية ولنتي عيطت شيلتها ودخلت اوضتها عشان اغيرلها ببص لاقيت حماتي بتفتح الهدايا اللي جت لبنتي في السبوع وبتاخد الهدايا الدهب وبتحطها في شنطتها اتصدمت …
دخلت وقفلت باب الاوضة وقولتلها بتعملى اية يا ماما في حاجة ضايعة منك وبدوري عليها في الهدايا بتاعة السبوع قالتلي بتفرج علي الهلاهيل اللي جايبنها اهلك متسواش حتي حق السبوع اللي ابني عاملة قولتلها يعني هي هلاهيل وحاجات ملهاش قيمة اومال حضرتك حطتي الهدايا الدهب في شنطتك لية وسايبة العلب فاضية انا واقغة من بدري وشايفة اللي بتعملية وساكتة…
هي سمعتني بقول كدا وقالتلي قصدك اية اني حرامية مش كفاية جايبة بنت وعاملة سبوع اومال لو كنتي خلفتي ولد كنتي عملتي اية..
اتغاظت من كلامها بس مردتش عليها وقولتلها بكل ادب بعد اذنك هاتي هدايا بنتي اللي حطتيها في شنطتك….
#انجي_الخطيب
وفاجأة لاقيتها بتصوت وبتجري علي الباب تفتحة وبتنده علي ابنها والناس وبتقول الحوقني بقولها هاتي حفيدتي اشيلها شتمتني وقالتلي ابعدي عن بنتي لاتنقلي ليها عدوي وانتي ست عجوزة كلك امراض انا همشي من هنا ومش داخلة بيتك تاني يا ابني ادام امك بتتهان فيه ولاقيتها عمالة تعيط وانا بقيت واقفة مصدومة من التمثيلية اللي حماتي عملتها عشان تمشي وتاخد دهب بنتي اللي جالها معاها…
لاقيت جوزي داخل زي الإعصار، وراه أهله وأهلي، وعيونه بطلع شرار. وقف قصادي وقال
”إيه اللي حصل؟ أمي بتقول إيه؟ وأي عدوى دي اللي بتعيريها بيها؟”
حاولت أتكلم، لساني كان تقيل، والكلمات واقفة في زوري من الصدمة . حماتي مسكت دراع جوزي وانهارت في العياط المزيف:
”يا بني.. أنا كنت داخلة أشوف بنتك لاقيتها بتقولي إبعدي، إنتي كلك أمراض، ،
جوزي كان بيبصلي بذهول، كأنه مش مصدق إن دي مراته واكيد مش هيكدب امة. الدنيا بدأت تلف بيا، حسيت بظلم وغصة في قلبي. حاولت أدافع عن نفسي:
اخيرا نطقت وقولت محصلش.. هي اللي كانت بتسرق دهب بنتنا وحطت الهدايا في شنطتها!”حتي شوفها هي عملت كل دا عشان شوفتها..
حماتي ولا كأنها سمعت، فتحت شنطتها بكل ثقة، قلبتها قدام الكل.. بس اللي شفته خلاني اتسمرت في مكاني. الشنطة كانت فاضية تماماً! مفيهاش حاجة…
بصتلي بابتسامة خبيثة، وقربت مني وهمست في ودني بصوت مسمعوش غيري أنا
انا اكسب والدهب ده مش هتشوفيه تاني يا حلوة، والبيت ده أنا هقلبه عليكي وعلى اللي خلفوكي.. فاكرة إنك هتفرحي ببنتك؟
اتفرجي هعمل فيكي ايه…
وكملت تمقليتها وقالت ، أنا مش هقعد في بيت فيه واحدة زي دي اتهمت امك انها حرامية…
#انجي_الخطيب
جوزي واقف باصصلي بنظرة شك لأول مرة أشوفها في عينيه. سبتهم ودخلت الأوضة عشان أتأكد من مكان الدهب تاني، يمكن أنا اللي غلطت.. بس لما بصيت تحت السرير، لاقيت حاجة خلتني اتصدم و أتسمر مكاني ، حاجة خلتني أعرف إن لعبة حماتي بتاهة الدهب دي هي أكبر من مجرد سرقة دهب.. دي كانت محضرة مصيبة لبنتي وليا…..
#انجي_الخطيب
قلبي كان بيدق لدرجة إني حاسة إنه هيخرج من ضلوعي، إيدي بترتعش وأنا بمدها تحت السرير، لقيت “صرة” قماش سودا، ملفوفة بخيط أحمر قديم، وريحتها كانت مزيج مقزز من تراب وبخور معفن. فتحتها ببطء، ودمي اتجمد في عروقي. كان جواها خصلة شعر طويلة وناعمة، دي مش شعري، دي خصلة من شعر بنتي اللي قصيتها ليها إمبارح، ومعاها صورة صغيرة ليها مقصوصة من اللي كنت حطاها على الكومودينو، ومغروزة فيها دبابيس صدية. رجلي خذلتني ووقعت على الأرض، عرفت ليه كانت مهتمة تدخل الأوضة وتفضل فيها، وعرفت ليه الشنطة كانت فاضية.. الدهب كان مجرد طعم عشان تشغلني، واللعبة الحقيقية كانت أبعد وأخطر من السرقة، دي كانت جاية تأذي روح بنتي، تأذي “حته مني” اللي استنيتها خمس سنين.
قمت وقفت، مسحت دموعي، مفيش وقت للضعف. مسكت “الصرة” في إيدي وخرجت للصالة، الكل كان بيبصلي بحدة، جوزي “أحمد” كان بيحاول يهدي أمه اللي بتمثل وبتمسح دموعها بتمثيلية متقنة. وقفت في نص الصالة، صوت دقات قلبي بيعلا، ولقيت الكل سكت لما شافوا وشي اللي اتغير تماماً.
أحمد بصلي بغضب وقال: “إنتي لسه واقفة؟ اعتذري لأمي فوراً، دي ست كبيرة ومقامها محفوظ، مش عشان شوية دهب تتبلي عليها وتطلعيها حرامية وتشتتي عيلتي!”
بصيتله وعيوني بتلمع بدموع ممزوجة بغل، قربت منه وبصوت هز الصالة كلها قلت: “دهب؟ إنت فاكر إني بتكلم على دهب؟ أنا كنت فاكرة إنها طماعة، بس طلعت خاينة.. خاينة لدم ابنها ولحفيدة لسه بتشم في الدنيا!”
فتحت إيدي قدام الكل، ورميت “الصرة” السودا في نص الصالة. ريحة البخور المعفن انتشرت في المكان، ولقيت حماتي وشها اتخطف وبقى أصفر زي الميتين، رجعت لورا وبدأت تبرطم بكلام مش مفهوم. جوزي اتجمد في مكانه، بص للصرة وبعدين بصلي، وبص لأمه اللي كان لسه بيدافع عنها.
أحمد صوته طلع مخنوق وهو بيسأل: “إيه ده؟ وإيه اللي جاب ده في أوضة بنتي؟”
حماتي وقفت بسرعة، وبدأت تصرخ: “دي.. دي كدابة! دي هي اللي جايباها عشان تلبسني تهمة، دي ست مش طبيعية، دي عايزة تفرق بيني وبين ابني!”
بصيت لأحمد وقلتله بكل ثبات: “بص في عينها يا أحمد، شوف الخوف اللي فيها.. دي مش نظرة أم مظلومة، دي نظرة حد انكشف ستره. أنا دخلت الأوضة عشان أدور على الدهب، لقيت دي محطوطة تحت سرير بنتنا، نفس المكان اللي كانت هي بتتحرك فيه. إنت صدقت تمثيليتها، بس أنا بنتي أهم من أي حاجة في الدنيا، ولو عشان أحميها لازم أواجه الكل، فأنا مستعدة.”
أحمد اتلفت لأمه، لأول مرة في حياتي أشوف في عينيه نظرة شك حقيقية، مش ليا، لأ لأمه. كان بيقرب منها بخطوات تقيلة، وصوت دقات قلبي بقى مسموع في كل زاوية في البيت. الصمت كان قاتل، والناس اللي كانت حاضرة السبوع بقوا يتنقلوا بيننا بنظرات مذهولة، الليلة اللي كان مفروض تكون أجمل ليلة في عمري، اتحولت لساحة معركة، كشفت لي إن العدو مش بعيد، العدو كان قاعد بيضحك في وشي، وبياكل من أكلي، وبيخطط لهد بيتي بحرقة قلب، وأنا كنت فاكراها جدة بتحب حفيدتها.
أحمد وقف قدامها وسألها بصوت مرعوب: “يا أمي.. قوليلي إن ده مش بتاعك.. قوليلي إن مراتي بتتبلى عليكي.. قولي أي حاجة!”
حماتي بصتلي بصه كلها حقد أسود، وقالت بصوت واطي ومسموع للكل: “ابني.. صدقني.. دي هي اللي باعت نفسها للشيطان عشان تفضل مسيطرة عليك، أنا كنت بفك العمل ده عنها!”
كذبتها كانت وقحة، لدرجة إن الكل اتصدم، بس أنا مكنتش هسكت، سحبت تليفوني من جيبي، وكنت فاتحة الكاميرا بتسجل كل حاجة من أول ما دخلت الأوضة.. الكاميرا كانت موجهة للشنطة وللأوضة، وسجلت لحظة ما هي كانت بتشيل الحاجة من تحت السرير.. ابتسمت بسخرية وقلت: “يا خسارة.. تمثيليتك المرة دي مش هتكمل، لأني كنت مسجلة كل حركتك.. وده مش بس دهب.. ده إثبات إني كنت عايشة مع عقربة في بيت واحد، والشرطة هي اللي هتقول كلمتها مش أنا.”
……….
الموبايل في إيدي كان بيترعش، بس صوتي كان طالع حديد، والبيت كله اتجمد في مكانه كأنهم بقوا تماثيل. حماتي وشها جاب ألوان، وبدأت تتراجع لورا وعينها مبرقة في الموبايل اللي في إيدي، وفجأة، رمت نفسها على الكنبة وبدأت تصرخ هستيري وتخبط على صدرها: “افتريت عليا! دي شيطانة! عايزة تسجن أمك يا أحمد عشان تاخدك لوحدك!”
أحمد كان واقف في النص، عيونه تايهة بيني وبين أمه، الغضب اللي كان في عيونه اتحول لحيرة قاتلة، بس قبل ما يفتح بقه، صوت صرخة طفلة هز أركان البيت، كانت بنتي بتصرخ في الأوضة التانية صرخة غريبة، صوت عياط متواصل مش عياط جوع ولا مغص، صوت عياط مكتوم ومفزوع.
جريت بسرعة على الأوضة، أحمد جري ورايا، ولما دخلنا.. لقيت المنظر اللي خلاني أصرخ أنا كمان: بنتي كانت مرمية على السرير، ووشها أزرق وبتحاول تاخد نفسها بصعوبة، والسرير كله كان عليه بقع سوداء زي الهباب. أحمد اتجمد، النظرة اللي في عينيه اتغيرت تماماً من الشك للرعب، قرب منها وشالها، لقى جسمها تلج، وعينيها بتتقلب.
بصيت لأمه اللي وقفت عند باب الأوضة وبتردد كلام مش مفهوم، بصيت لها وصرخت: “إنتي عملتي إيه فيها؟ انطقي! إنتي اللي جنيتي على نفسك!”
أحمد بص لأمه بصة خلتها ترجع لورا، صوت نفسه كان عالي ومخنوق وقال: “إنتي.. إنتي دخلتي هنا تاني؟ بعد ما خرجتي للصالة دخلتي هنا تاني؟”
حماتي بدأت تترعش وقالت بصوت مكسور: “يا ابني.. أنا.. أنا كنت عايزة أعمل خير، أنا كنت عايزة أبعد عنها النحس، هي اللي جابت البنت دي بفلوسها وشقاها، دي مش طبيعية!”
أحمد مسمعش باقي كلامها، ساب البنت وخرج من الأوضة زي المجنون، مسك أمه من دراعها، والناس اللي بره بدأت تتجمع عند باب الأوضة والهمس بقى صراخ، أحمد زعق: “تطلعي بره! دلوقتي! البيت ده ملوش مكان فيه لواحدة زيك، حتى لو كانت أمي.. بنتي لو جرالها حاجة أنا مش هعرف هعمل إيه!”
أخدت بنتي في حضني، وبدأت أقرأ عليها آيات ربنا، وحسيت بنسمة هوا باردة بتطلع من صدرها، وبدأت تتنفس طبيعي تاني. سمعت صوت خناقة بره، صوت تكسير، وبعدها باب الشقة اتقفل بقوة، وصوت زعيق أحمد في السلم وهو بيطردها هي وأهلها اللي وقفوا معاها.
رجعت الهدوء للبيت، بس الهدوء ده كان مختلف، كان هدوء مرعب. أحمد دخل الأوضة، وقف عند الباب، مكنش قادر يبص في عيني، قعد على الأرض جنب السرير، ودموعه بدأت تنزل بصمت. قعدت جنبه، مسكت إيده، مكنتش قادرة أسامح، بس كنت عارفة إن الليلة دي غيرت كل حاجة، إن الثقة اللي اتكسرت دي مش هترجع بسهولة، وإن اللي عشت فيه النهارده كان درس قاسي.. إن أحياناً أقرب الناس لينا ممكن يكونوا هما أكتر ناس بيتمنوا يشوفوا حياتنا رماد.
بصيت لبنتي النايمة في سلام، ومسحت على راسها، وعرفت إن المعركة الحقيقية لسه بتبدأ، مش بس عشان أحميها من حماتي، بس عشان أحمي بيتي من اللي حصل، وأحمي نفسي من نظرات أحمد اللي لسه محتارة بين حبه لأمه وبين الحقيقة المرة اللي شافها بعينه النهارده.
……….
قعدنا فترة طويلة في صمت مريب، مفيش صوت في البيت غير أنفاس بنتي المنتظمة ونفس “أحمد” اللي كان طالع زي المذبوح. فجأة، قام أحمد وقف، مسح وشه بإيده بقسوة، ولقيته بيمسك الموبايل بتاعي اللي كنت لسه مسجلة عليه كل حاجة.
بص لي بنظرة عمري ما شوفتها، نظرة انكسار على حيرة: “أنا مش عارف أقولك إيه.. ولا عارف أعتذر عن إيه. اللي شفته النهارده يخلي الواحد يراجع كل لحظة عاشها مع أمي. بس يا مروة، دي أمي.. أنا مش قادر أستوعب إنها ممكن توصل للشر ده كله.”
بصيت له بثبات، رغم إن قلبي كان بيتقطع: “أحمد، أنا سكتّ خمس سنين، استحملت نقد وتريقة وتدخل في كل تفصيلة في حياتنا عشان خاطر عيونك، بس لما الموضوع يوصل لبنتنا وللأعمال والسحر.. يبقى الخطوط الحمراء اتمسحت. أنا مش هعيش في رعب كل يوم، ولا هسيب بنتي في بيت فيه حد بيدور على أذيتها.”
أحمد سكت، كان بيفكر في كلامي، وفجأة الموبايل بتاعي رن، كانت مكالمة فيديو من حماتي. قلبي وقع في رجلي، بصيت لأحمد، هز راسه بمعنى “افتحي”. فتحت الصوت وسمتعت صوتها وهي بتعيط بصوت عالي: “يا ابني.. أنا في القسم، اتهجموا عليا في الشارع، الحقني يا أحمد، مراتك فضحتني قدام الناس وجابتلي البوليس!”
أحمد ملامح وشه اتغيرت، بص للموبايل وبعدين بص لي، لحظة صمت كانت أطول من سنين. أخد الموبايل مني، وسمعته بيقول بصوت هادي بس حازم لدرجة خلاني أترعش: “يا أمي.. مروة هي اللي أنقذت البنت من “البلاوي” اللي كنتِ حطاها تحت السرير. أنا اللي طلبت منها تسجل، وأنا اللي هبلغ الشرطة عن اللي شفته النهاردة، مش هي. إنتي مش بس خسرتي ثقتي، إنتي خسرتي ابنك وحفيدتك اللي كنتِ بتدعي إنك جاية تباركي لها.”
قفل المكالمة، وساب الموبايل على السرير، وقعد تاني على الأرض، بس المرة دي حط راسه بين إيديه وبدأ يعيط. الليلة دي مكنتش مجرد مشكلة عائلية، دي كانت نهاية حياة وبداية حياة تانية خالص. عرفت إن الطريق قدامنا هيكون أصعب، وإن أمي (حماتي) مش هتسكت بعد اللي حصل، بس في اللحظة دي، وأنا شامة ريحة بنتي وباصة لأحمد وهو بيراجع حساباته، حسيت لأول مرة بانتصار حقيقي.. انتصار الحقيقة على الزيف، وانتصار الأم على أي شر ممكن يهدد ضناها.
قمت شلت بنتي وضميتها لصدره، ولأول مرة من يوم الجواز، حسيت إن “أحمد” بقى شريكي فعلاً، مش مجرد حد عايش معايا.. سألت نفسي، هل اللي جاي هيكون أهدى؟ ولا دي كانت مجرد بداية لعاصفة أكبر؟
حكايات انجى الخطيب