اخت لصبيان
بقلم امانى سيد
خرج من الشقة ورزع الباب وراه، وساب صدى الرزعة يسمع في ضلوعي قبل الحيطان. اختفى الصوت، لكن النظرات اللي اتصوبت عليا كانت لسه بتنهش فيا.
قامت حماتي من مكانها ببطء، مشيت خطوتين ووقفت قدامي، حطت إيدها في وسطها وبصتلي من فوق لتحت بنظرة خالية من أي رحمة، وقالت بنبرة باردة ومستفزة:
“سمعتي جوزك قال إيه؟ ولا تحبي أعدلك الكلام تاني عشان يثبت في دماغك؟ من النجمة تظهري هنا، الشقة دي تتفض حتة حتة، تسييق وطبيخ وغسيل.. وإخواته البنات تطلبي رضاهم، اللي تشاور على حاجة تتنفذ .
بنتها الكبيرة ساندت ضهرها لورا، وحطت إيدها على بطنها المنفوخة وهي بتبتسم بشماتة وقالت:
“أهو بالمرة تريحينا شوية يا حبيبتي، الحمل تقيل عليا وأنا جاية بيت أبويا عشان أرتاح مش عشان أشيل هم وأظن إنتي عندك خبرة في خدم الصبيان، يعني خدمتنا إحنا البنات هتبقى بالنسبة لك خفيفه .”
النكتة عجبتهم، فضحكوا تلاتتهم بصوت عالي، الضحكة كانت بتدخل ودني زي المسامير. كنت واقفة طالعة من صدمة وداخلة في صدمة تانية، دموعي نشفت ووشي خشب من كتر الذهول. أنا فين؟ والناس دي مين؟ وإزاي جوزي، الإنسان اللي وافقت أربط اسمي باسمه، يبيعني ليهم بالرخص ده ويقدمني قربان لراحتهم لمجرد إني كنت بنت بارة بأهلي؟
حاولت أجمع شتات نفسي، بلعت ريقي اللي كان ناشف زي الحطب، وبصيت لحماتي وقولت بصوت ضعيف لكن حاولت أخليه متماسك:
“أنا دخلت البيت ده بكرامتي، ومقصرتش مع حد فيكم من يوم ما دخلت.. لكن الخدمة بالإجبار والذل ده أنا مش هقبلها. أنا زوجة، مش جارية.”
ملحقتش أكمل الكلمة ولقيت حماتي خطت خطوة سريعة ناحيتي، وعينيها برقت بشر وهي بتزعق في وشي:
“صوتك ما يعلاش يا بت إنتي! كرامة إيه وجارية إيه؟ اللي جوزها يقول عليه يمشى ورجلك فوق رقبتك! روحي شوفي وراكِ إيه في المطبخ بدل الوجاهة الكدابة دي، ويلا من غير مطرود انزلي هاتي طلبات السوق اللي مكتوبة على الثلاجة دي، ورجلك ما تخطيش شقتك فوق إلا لما تخلصي كل اللي وراكِ هنا.”
سابتني ودخلت الأوضة هي وبناتها، وسمعت صوت قفل الباب وراهم، وسابوني واقفة لوحدي في الصالة. كنت حاسة إن الهوا بيتسحب من المكان، وبصيت لكفوف إيدي اللي اتهرت شقى من صغري.. الشقى اللي كنت فاكرة إنه هيبقى شفيع ليا عند ربنا، طلع هو الس*كينة اللي جوزي اختار يدبح*ني بيها.
نزلت السلالم ورجلي مش شايلاني، الدموع اللي حبستها قدامهم انفجرت زي السيل، بتبل وشي وتكوي قلبي. مسكت ورقة الطلبات اللي كانت في إيدي، وكنت ببص للأسماء المكتوبة فيها ومش شايفة الحروف من كتر الضباب اللي في عيني. نزلت الشارع وأنا حاسة إن الناس كلها بتبص عليا، حاسة إن كلمة “خدامة” مكتوبة على جبهتي، وإن السر اللي كنت دايماً شايلاه كنوع من البر بأهلي، بقى هو وصمة العار اللي بتلاحقني.
اشتريت الطلبات وشيلت الشنط التقيلة اللي كانت بتجرح صوابعي، لكن الوجع اللي في إيدي مكنش ييجي حاجة جنب الوجع اللي عاصر قلبي. رجعت البيت، طلعت الشقة تحت، وفتحت الباب بالراحة. أول ما دخلت، لقيت المطبخ يضرب يقلب، المواعين متلتلة، والأكل بتاع امبارح متساب مكشوف، وكأنهم اتعمدوا يسيبوا كل حاجة تضرب تقلب عشان يستعرضوا قوتهم عليا.
وقفت في وسط المطبخ، وبدأت أشتغل.. مش عشان خايفة منهم، لكن لأني كنت محتاجة أطلع طاقة الغضب والغل اللي جوايا في أي حاجة. كنت بغسل المواعين بقسوة، وبمسح الأرض بعنف، وكأني بمسح آثار الإهانة اللي اتعلمت على كرامتي. ساعات مرت وأنا بنضف، بطبخ، وبجهّز لقمة ياكلوها وهم قاعدين جوة بيضحكوا وبيتسامروا، وصوت ضحكاتهم كان بيوصلي عبر المنور زي الجلدات على ضهري.
على المغرب، خرجت حماتي من الأوضة، لقت الشقة بتبرق والأكل ريحته مالية المكان. بصت حواليها بنظرة فحص خبيثة، ومكنتش عايزة تظهر أي رضا، لوت بوقها وقالت:
“أهو كده.. الشغل ده كان المفروض يتعمل من غير ما نمد إيدينا ونرفع صوتنا. حطي الأكل يلا عشان البنات جعانين، وبعد ما يخلصوا، لمي السفرة واغسلي المواعين، وبعدين تطلعي شقتك.. وجوزك لما يرجع، أنا هعرفه إنك سمعتي الكلام، عشان يرضى عنك.”
“يرضى عني؟” الكلمة رنت في عقلي وسخرت منها جوايا. هو في رضا بعد الدبح؟
حطيت الأكل، ووقفت بعيد وهم بياكلوا ويمدحوا في النفَس والطبخ، وبنتها الحامل تبصلي وتقول: “تسلم إيدك يا محترمة، بكره بقى نفسي في محشي ورق عنب، تصحي بدري تعمليه عشان ألحق آكل منه قبل ما أنزل.”
هزيت راسي من غير ولا كلمة. مكنش عندي طاقة للكلام، طاقتي كلها كانت متوجهة لحاجة واحدة بس: **التفكير في الخطوة الجاية.**
أول ما خلصت كل حاجة، ولميت آخر معلقة، استأذنت وطلعت شقتي فوق. قفلت الباب عليا بالمفتاح، ودخلت البيت اللي كان المفروض يكون مملكتي وأماني. قعدت على الأرض ورا الباب وانفجرت في عياط مكتوم عشان الجيران ميعرفوش. بصيت لشقتي، لعفشي، للحلم الصغير اللي بنيته، واكتشفت إنه كان مجرد فخ.
الساعة جت حداشر بالليل، وسمعت صوت مفتاح جوزي في الباب. قلبي اتنفض، بس المرة دي مكنش خوف.. كان قرف. دخل الشقة، ورش مفاتيحه على الترابيزة ببرود، وبصلي وأنا قاعدة على الكنبة، وعيونه فيها نظرة انتصار وتحدي.
مشى ناحيتي ببطء، وحط إيده في جيبه وقال بنبرة هادية ومستفزة:
“أمي كلمتني.. وقالت لي إنك شطورة وسمعتي الكلام، وإن الشقة تحت بقت زي الفل. شفتي بقى؟ شفتي إن العين الحمرا هي اللي بتجيب نتيجة؟ أهو كده تمشي عجين تلخبطيش، وتعرفي إن مالكيش هنا غير طاعتي وطاعة أهلي.”
قمت وقفت، وبصيت في عينه مباشرة. النظرة المكسورة اللي شافها الصبح مكنتش موجودة، ملامحي كانت جامدة زي الحجر. بلعت ريقي وقولتله بصوت قاطع وثابت هز ثقته في نفسه لثواني:
“أنا عملت كده عشان أثبت لنفسي ولربنا إني مأقصرتش في حق حد، وإني بنت أصول لآخر لحظة.. مش عشان خايفة منك ولا من أمك.”
برق عينه وخطى خطوة لِقدام وهو بيجز على سنانه: “أنتِ لسه فيكِ حيل تتكلمي؟ لسه لسانك طولان؟”
رديت عليه بابتسامة وجع وثقة: “لساني مش هيطول، لأن الكلام معاك خسارة. أنت دبحتني الصبح يا ابن الناس، ودبحت معاك أي مشاعر كانت ليك في قلبي. أنت متجوزتنيش عشان بتحبني ولا عشان تبني بيت، أنت اتجوزتني عشان تشتري جارية ببلاش توفر بيها تمن الشغالة لأهلك.. بس فاتك حاجة مهمة قوي.”
قرب مني أكتر وعروق رقبته بارزة من العصبية: “فاتني إيه يا ست هانم؟”
شاورمت على نفسي وقولت بقوة: “فاتك إن اللي كانت بتخدم في بيت أهلها، كانت بتخدم بـ حُب، ولأنهم دمها ولحمها، ومكنش فرض ولا ذل. لكن هنا؟ أنا مفيش حاجة تربطني بيكم غير ورقة.. والورقة دي زي ما اتكتبت، تقدر تتمسح.”
ملحقتش أكمل جملتي، ولقيت كف إيده ينزل على وشي بكل قوته.. الصدمة كانت قوية، لدرجة إني وقعت على الكنبة، ووشي سخن وبدأ ينمّل. بصيت له وأنا حاطة إيدي على خدي، ومكنش في عيني دموع.. كان فيه بركان.
وقف فوق راسي وهو بيلهث من الغضب وزعق: “أنتِ بتهدديني بالطلاق يا بت؟ أنتِ فاكرة نفسك مين؟ ده أنتِ لو خرجتي من هنا مش هتلاقي حتة تلمك، وأهلك اللي كنتِ بتخدميهم مش هيستحملوا قعدتك عندهم شهر على بعضه! أنتِ مالكيش غير البيت ده، ورجلك فوق رقبتك هتخدمي فيه!”
قمت ببطء، ومسحت نقطة دم صغيرة نزلت من شفتي. بصيت له بنظرة خلت جسمه يقشعر، وقولتله بمنتهى الهدوء اللي بيسبق العاصفة:
“تمام.. اللي تشوفه يا ابن الأصول.”
سيبته ودخلت أوضتي، وقفت ورا الباب وأنا باخد نفسي بصعوبة. الكلام اللي قاله عن أهلي وجعني، لأنه للأسف كان فيه جزء من الحقيقة.. أهلي طيبين بس مش هيتحملوا مشاكلي، وإخواتي الصبيان كل واحد يشوف حياته. لكن في اللحظة دي، اتولدت جوايا قوة تانية خالص.. قوة الست اللي ملهاش ضهر غير نفسها، وعرفت إن طوق النجاة مش هييجي من جوازة، طوق النجاة أنا اللي لازم أصنعه بإيدي.
قعدت على السرير، وفتحت دولابي، وطلعت شنطة صغيرة.. وبدأت أخبي فيها أوراقي الرسمية (بطاقتي، قسيمة الجواز، وشهادة ميلادي) وشوية فلوس كنت محوشاهم من مصروفي وشيلتهم للزمن.
الزمن جه.. والوقت جه.
نمت ليلتها وأنا صاحية، وعقلي شغال زي الآلة. الصبح طلع، وسامعة حركته في الشقة وهو بيستعد للنزول للشغل. خرج ورزع الباب وراه بنفس الطريقة.
قمت فوراً، غسلت وشي، وبصيت في المراية للعلامة الزرقا اللي على خدي.. قولت لنفسي: “دي آخر إهانة هقبلها في حياتي.”
لبست هدومي، وأخدت الشنطة الصغيرة اللي فيها أوراقي، ونزلت السلم بسرعة قبل ما حد من تحت يحس بيا. نزلت الشارع، ومستنتش، ركبت أول عربية رايحة لمحطة القطار.. مكنتش رايحة لبيت أهلي عشان أشتكي، أنا كنت رايحة لـ “عمتي”.. الست الوحيدة اللي كانت دايماً بتقولي: “يا بنتي أنتِ خسارة في الشقى ده كله، واليوم اللي تقعي فيه، بيباني مفتوحالك.”
وأنا في القطر، والبيوت والغيطان بتجري من قدام عيني، حسيت لأول مرة من شهور إني بتنفس هوا نضيف. حسيت إن القيود بتتفك.. وبدأت أرسم خطة حياتي الجديدة؛ مش هكون خدامة لحد، الشغل الشقي اللي كنت بعمله ببلاش وبالمذلة، هعمله بكرامة ولنفسي.. وهخليهم يعرفوا مين هي البنت اللي استضعفوها.