خمس سنين انتظار
امانى سيد
سحب الكرسي للبنت وقعدها، وبعدين قعد وبصلي وقال بنبرة عادية جداً كأنه بيعرفني على قريبة ليه:
“أهلاً يا هدى.. أعرفك، دي ‘ناتالي’.. مراتي”.
الكلمة نزلت على دماغي زي الصاعقة. حسيت إن الهوا اتمسح من الكافيه، الأكسجين قل، وصوت الناس والبلندرات والمزيكا اتمحى.. مفيش غير صدى كلمته “مراتي.. مراتي”.
بصيت له ودموعي اتجمدت في عيني، كنت بدور في وشه على أي علامة ندم، أي نظرة أسف على الخمس سنين اللي سرقهم من عمري. لكنه كان بيبصلي بنظرة كلها تحدي، كأنه بيقولي: “أهو ده اللي حصل، وريني بقى هتعملي إيه؟ هتعيطي؟ هتفضحينا؟ أنتي مفيش في إيدك حاجة تعمليها”.
قالي ببرود وهو بيشرب من كبيات المية: “الظروف برة كانت صعبة يا هدى، وناتالي ساعدتني في الإقامة وفي الشغل، وأنا مقدرتش أقول لأ.. أنتي بنت أصول وهتفهمي إن ده مصلحتي”.
مراته كانت قاعدة بتبصلي بابتسامة انتصار واضحة، كأنها عارفة كل حاجة، وعارفة إنها فازت بالراجل وبالمستقبل، وسابتلي أنا الذكريات الميتة.
أنا وقتها، من كتر الصدمة وكسرة النفس قدام البنت دي، لقيت نفسي بقوم من على التربيزة، رجلي مش شيلاني، ولميت شنطتي وبصيتله النظرة الأخيرة.. نظرة واحدة لخصت موت خمس سنين من عمري.. ومشيت وأنا سامعة ضحكتهم ورايا في الكافيه.
الخيانة كان طعمها في بقي مر، زي طعم الحنظل، لدرجة إني مكنتش قادرة أتنفس وأنا ماشية في الشارع. الشوارع اللي كنت بحلم أمشي فيها معاه وهو ماسك إيدي، بقت دلوقت غريبة عليا، وكل ركن فيها بيشهد على “سذاجتي”.
وصلت البيت، رميت نفسي على السرير، ومن غير ولا كلمة لأمي، انفجرت في عياط هستيري.. عياط بيغسل روحي من سنين التضحية اللي راحت في لحظة. أمي دخلت، شافت الحالة اللي أنا فيها، ممسحتش دموعي، بالعكس، قعدت جنبي وضمتني وهي بتقول: “كنت عارفة.. بس مكنتش عاوزة أكسر قلبك قبل ما يكسره هو”.
عدى أسبوع.. حازم مبعتش رسايل، مفيش “تصبح على خير”، مفيش “وحشتيني”. كان فعلاً بيعيش حياته الجديدة مع “ناتالي”. بس في اليوم السابع، لقيت موبايلي بينور.. رسالة منه: “هدى، عارف إن الموقف كان صعب، بس لازم نقعد نتكلم. ناتالي مش فاهمة طبيعة علاقتنا القديمة، ومحتاج أوضحلك ليه عملت كده.. أنا لسه بعزك”.
يا عيني على “أنا لسه بعزك”.. الكلمة دي اللي زمان كانت بتبسطني، بقت دلوقت بتثير جوايا رغبة في الانتقام، مش حب. مسحت الرسالة، بس مردتش. تاني يوم، اتصل.. تالت يوم، اتصل.
قررت أرد. رديت مش عشان أرجع، رديت عشان أخد “تار” عمري.