ابنى الكبير
حماده هيكل
لكن اللي مكنتش أعرفه…
إن قبل معاد نزول ابني بأيام قليلة، حصل شيء قلب الموازين كلها…
وساعتها بس… الحقيقة الكاملة بدأت تظهر، وكل واحد فينا اكتشف إنه كان فاهم جزء صغير جدًا من الحكاية…
مرت الأيام والبيت كأنه قصر مهجور، الصمت فيه بقى يوجع أكتر من صوت الخناق. مكالمات ابني الكبير من الغربة بدأت تقل، ولما كان بيكلمني، كنت بحس في صوته بنبرة كسر وخذلان عمري ما شفتها فيه من يوم ما وُلد. كان حابس نفسه بين نارين؛ نار الغربة والشقى عشان يأمّن مستقبله، ونار مراته وعياله اللي اتهانوا في غيابه، والفلوس اللي مش عارف يوصلها لهم بكرامة.
قبل نزول ابني بأسبوع واحد بس، كانت البلد كلها بتتكلم عن رجوعه. وفي يوم العصر، لقيت خبط ورزع جامد على باب البيت. جيرانا داخلين ووجوهم مخطوفة، ومعاهم ابني الصغير -اللي ضرب مرات أخوه- وهو ساند على كتافهم، هدومه غرقانة دم ووشه أصفر زي الليمونة.
وقعت من طولي وأنا بصرخ: “جرى إيه يا ابني؟! مين اللي عمل فيك كده؟!”
واحد من الجيران رد عليا وهو بيحاول يهديني: “يا حجة، ابنك عمل حادثة بالموتوسيكل وهو راجع من الأرض، اتقلب في الترعة ولولا ستر ربنا والناس لحقوه كان زمانه في عداد الأموات، هو كويس بس جروح في دماغه وكسر في رجله.”
نيمناه في سريره، والدنيا لفت بيا. البيت اللي كان شايلنا كلنا، مبقاش فيه يد حنينة تساعدني. مرات ابني التاني في شغلها طول النهار، وأنا ست عجوزة ركبي مش شايلاني، ومصاريف العلاج والأدوية كانت تقيلة. وفي وسط الكركبة دي، رن تليفون البيت. كان ابني الكبير.
رديت عليه وأنا ببكي وبقوله على حادثة أخوه. سكت طويلًا، وافتكرت إنه هيشمت أو يقولي “ده ذنب مراتي”، لكنه قال بصوت مخنوق: “سلامة أخويا يا أمي، ربنا يشفيه ويعافيه.. أنا نازل كمان يومين، والفلوس اللي كنت عايز أبعتها لمراتي، خديها كلها واشتري بيها علاج لأخويا وأكلوه منها لحد ما أنزل.. مراتي وعيالي ربنا مش هيضيعهم.”
الكلمة نزلت على قلبي زي الصاعقة. ابني اللي كنت فاكرة إنه اتغير وعايز يكسر كلامي، طلع شايل همنا ومصون أصلنا حتى وهو مجروح مننا.
تاني يوم الصبح، وأنا قاعدة جنب ابني الصغير وهو بيئن من الوجع ومش قادر يتحرك، لقيت الباب الخارجي بيفتح بالراحة. افتكرت حد من الجيران، لكن الصدمة كانت لما شفت “مرات ابني الكبير” داخلة من الباب.
ملامحها كانت تعبانة، باين عليها قلة النوم، لكن في إيدها كانت شايلة شنطة فيها خضار وفاكهة وفراخ. دخلت لحد أوضة ابني الصغير، بصت له وهو مكسور على السرير، ودموعها نزلت. من غير ما تقف ولا تعاتب، حطت الشنطة على التربيزة وقربت مني، بوست راسي وقالت بصوت واطي: “حماتي.. أنا عرفت باللي حصل لأخو جوزي. الأصول بتقول إن لو البيت اتهز، ميتوجعش في وقت الشدة. أنا جيت أخدمكم لحد ما جوزي ينزل، وبعدها هو اللي يحكم بيننا.”