سندى فى الحياه ٢

قصص وروايات أمانى سيد

مرت الشهور، والحياة مكنتش بتقف. أخويا قفل الباب ده وراه بالترباس، ورمى المفتاح في أبعد بحر. البنت (بنت فوزية) حاولت بكل الطرق اللي تتخيلوها؛ كانت بتبعت ناس يتوسطوا، وتكلم قرايب من بعيد، وحتى بعتت له رسايل طويلة كلها عياط ورجاء إنها ملهاش ذنب في اللي عمله أبوها، وإنها مستعدة تعيش معاه بأي وضع. كانت فاكرة إن الحب اللي كان بينهم ممكن يشفع لها، بس أخويا كان خلاص.. قلبها اتكسر فيه حاجة ومبقتش تتصلح، وكل ما كان بيفتكر كسرة عين أمه ورعشة إيدها في الصالون يومها، كان بيزيد قسوة وجفاء. مكنش بيرد على رسالة واحدة، ولو لقاها واقفة في طريق شغله، كان بيمشي ويعدي من جنبها كأنها هوا، كأنها مكنتش في حياته يوم.
لحد ما جه اليوم اللي أخويا حس فيه إن الجرح دبل، وإن حياته لازم تستمر. اتعرف على بنت تانية خالص.. بنت من مستواه، متعلمة، وأهلها ناس ولاد أصول بيعرفوا قيمة الست وبيحترموا الكبير. لما اتقدم لها، الفرحة دخلت بيتنا من أوسع أبوابه. ماما كانت بتزغرد من قلبها، الضحكة رجعت تنور وشها من تاني وهي شيفاه بيختار صح، وبيقفل صفحة الماضي بحلوها ومرها.
الخبر لما وصل هناك، في الشقة اللي في الحي الشعبي، نزل عليهم زي الصاعقة اللي قسمت ضهر البنت تماماً. البنت كانت عايشة على أمل ضعيف إن أخويا يحن، أو يرجع، لكن لما عرفت إنه خطب وعايش حياته وفرحان، انطفى جواها آخر قنديل أمل.. واتحول الحزن جواها لكتلة من الغل والكراهية العمياء.
بس الغريب إن الغل ده موجهتهوش لأخويا.. وجهته للبيت اللي هي عايشة فيه. بصت لأمها ولجوز أمها (عبد العزيز) بنظرة مرعبة، نظرة كلها قرف وكره. انهارت في وسط الصالة وصوتها جاب آخر الشارع وهي بتصرخ في وش أمها:
ـ أنتِ السبب! أنتِ وهو السبب في كل الوجع اللي أنا فيه! ضيعتوا مني الراجل الوحيد اللي حبيته، وضيعتوا مستقبلي عشان نزواتكم وأنانيتكم!
ومن اليوم ده، البنت اتقلبت تماماً. بقت تعامل عبد العزيز كأنه حشرة في البيت، لا بتسلم عليه ولا بتطيق تبص في وشه، وكل ما تشوفه قاعد منكسر وتعبان في الصالة، تقوله بكلام يسم البدن: “يا رب تموت ونخلص من ذنبك اللي مشقوعين فيه”. وأمها (فوزية) مكنتش بتسلم من لسانها؛ بقت تعايرها ليل نهار إنها خطفت راجل من عياله، وإن ربنا رد لها العمل في بنتها.
البيت اللي عبد العزيز هرب ليه زمان عشان يعيش في “روقان” ويصرف فيه شقاه، اتحول لجهنم الحمرا. مراته وبنتها بقوا يبصوا له على إنه “اللعنة” اللي حلت عليهم ودمرت حياتهم. بقى قاعد وسطهم منبوذ، ملوش كلمة، ولا ليه قيمة، وبنت مراته اللي رباها وصرف عليها من دم قلبه بقت أكتر واحدة بتكرهه في الدنيا وتتمنى له الموت.
عبد العزيز كان بيقعد في ركن الشقة، يبكي دموع ندم ملهاش آخر، وهو شايف بنته الحقيقية وابنه بقوا فوق في العالي، وبنت مراته اللي اشترى خاطرها بتمسح بكرامته الأرض. عرف وقتها إن الدنيا سلف ودين، وإن الوجع اللي دوّقه لأمنا زمان، ربنا رده له في أعز ما يملك، ومن نفس الإيد اللي طبطب عليها وظلم ولاده عشانها.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *