انتقام زوجه
انجى الخطيب
دخلت على جوزي لاقيت بنت خالتة قاعدة على رجله ولافة إيديها حوالين رقبته، ولما صوتت، بدل ما جوزي يتكسف من اللي حصل، عمل اللي هحكيلكم عليه دلوقتي…
كنا معزومين عند حماتي، روحنا لقينا أخت حماتي وبنتها هناك.. وأول ما دخلنا بنت خالة جوزي راحت واخداه بالحضن وبوساه من هنا وهنا، أنا اتضايقت، لاقيت أمها بتقولي: “معلش يا حبيبتي، أصله مربيها وهما واخدين على بعض زي الإخوات”.. قولت في سري: “مربيها إيه؟ دي أصغر منه بسنة!”، وأي قلة الأدب دي؟ إزاي تعمل كدا؟ وبدل ما أمها تتكسف تقولي معلش قالت أصله مربيها وواخدين على بعض”، بقيت واقفة مفروسة وعايزة أمسك جوزي أطلع عينه إنه عمل كدا، سكت وعديت الموقف..
#انجي_الخطيب
حماتي من ساعة ما دخلت وهي مش رحماني، قالتلي: “كويس إنكم جيتوا، معلش يا حبيبتي ادخلي المطبخ إنتي بقى كملي الغدا”، ملحقتش آخد نفسي حتى.. دخلت قلعت الحجاب وغيرت هدومي ودخلت المطبخ، وحماتي خدت أختها ودخلوا البلكونة ومعاهم بنت أختها، وجوزي قال هيقعد يتفرج على التلفزيون لحد ما الأكل يخلص.. دخلت المطبخ وعملت الغدا، وكنت خارجة أسأل حماتي حاطة الخل فين، ببص قدامي اتصدمت! لاقيت بنت خالة جوزي قاعدة على رجله ولافة إيدها حوالين رقبته..
عيني برقت وجالي ذهول، ولما زعقت وقولت: “إيه القرف ده؟ بتعملي إيه على رجل جوزي يا دعاء؟”، لاقيت حماتي وأختها جم على صوتي جري، والبت البجحة بدل ما تنكسف قالت قدامهم: “أنا كنت معدية قدام طارق واتكعبلت وقعت على رجله”، قولتلها: “ولما اتكعبلتي ووقعتي على رجله، قولتي تسندي ولفيتي إيدك حوالين رقبته؟”.. راحت أمها اللي هي خالة جوزي، بصتلي واتكلمت ببرود مستفز، وبسمة صفراء اترسمت على وشها وهي بتمسح على كتف بنتها، وقالتلي بصوت بارد كأنه طالع من تلاجة: “يا بنتي اهدي، دي حركة لا إرادية من الخضة.. طارق زي أخوها الكبير، وإنتي مكبرة الموضوع أوي، ما تشوف مراتك يا طارق، هي عمالة ترمي اتهامات على بنتي بالكذب، إيه محدش مالي عينها جاية تهزقنا في بيت أختي”..
حسيت بدمي بيغلي، عروق رقبتي كانت هتنفجر، بس اللي شلّ حركتي وخلّى لساني يتربط مش كلام خالة جوزي، ولا حتى وقاحة دعاء.. اللي جمّد الدم في عروقي كان “طارق”. طارق، اللي كنت مستنياه ينتفض، أو حتى يبعدها عنه بضيق، لقيته قام ببطء شديد، شال إيدها من على رقبته بمنتهى الهدوء، كأنه بيطمن على حاجة ثمينة، وبصلي بنظرة ماقدرتش أفسرها.. نظرة خالية من أي اعتذار، خالية من أي خوف من زعلي. قرب مني خطوة، والبيت كله سكت، حماتي واقفة ورايا كاتمة ضحكة خبيثة، ودعاء بتمسح دموع تماسيح وبتداري ابتسامة نصر..
#انجي_الخطيب
طارق وقف قدامي مباشرة، ووطى بصوته لحد ما بقى همس في ودني، همس خلاني أحس إن الأرض بتهتز تحت رجلي: “إنتي عارفة يا حبيبتي إن دعاء مش بتقصد.. بس الغلط مش عليها، الغلط عليا أنا لأني ماعرفتكيش الحقيقة من بدري، ومستني اللحظة دي بالظبط عشان أصارحك بكل حاجة خبيتها عليكي طول الجوازة دي.. ادخلي الأوضة يا دعاء، سيبيني مع مراتي، عندنا كلام كتير لازم يتقال بعيد عن أي حد.”
سحبني من إيدي بقوة، مش عشان يراضيني، لا.. كان بيسحبني ناحية أوضته اللي ممنوع حد يدخلها في بيت أمه، وفجأة، وقبل ما أي حد ينطق، قفل الباب بالمفتاح وبصلي بنظرة مرعبة وهو بيقول: “عايزة تعرفي الحقيقة؟ أنا هقولهالك دلوقتي.. الحقيقة إني معرفتش أربيكي ولا إنتي بتحترمي وجودي، ولازم تتربي”، وشد الحزام بتاعه من البنطلون ونزل عليا بيه ضرب، مكنتش قادرة أدافع عن نفسي ولا أتكلم، لأني كل ما أقوله: “كفاية حرام عليك”، كان بيزيد في ضربه أكتر، وكأنه بيضرب راجل قدامه بلا رحمة، سكت واستحملت لحد ما خلص ضرب فيا، وراح فتح الباب، لاقيت حماتي وخالته وبنتها واقفين وفرحانين فيا، محدش كلف خاطره حتى يفتح الباب ويحوش عني وهما سامعين صواتي وأنا بضرب..
بس من اللحظة دي قررت إني أقلب حياته كلها عليه، وآخد منه حقي، وأعرفه إن بنات الناس مش لعبة، طارق طول عمره عارف إني شخصيتي ضعيفة مبعرفش آخد قرار، بس المرة دي هيفاجأ بقراري اللي خدته، وقراري مكنش طلاق؛ لأن ده اللي هو عايزه، قراري حاجة أكبر بكتير من تخيلاته…
#انجي_الخطيب
مسحت دموعي بإيدي اللي كانت بترتعش، وقفت ببطء وأنا حاسة بوجع في جسمي كله، نظرات الشماتة في عين حماتي ودعاء وأمها كانت نار بتحرق في قلبي، بس الغريب إني فجأة حسيت ببرود غريب، وكأن الألم اللي شفته كسر فيا حاجة كانت مخلياني خايفة، وفتح قصادها باب لقوة عمري ما عرفت إنها جوايا، طارق كان واقف بيعدل قميصه ببرود ولا كأنه عمل أي حاجة، وبصلي وقال بنبرة مسمومة: “ادخلي اغسلي وشك ده واطلعي كملي الغدا عشان متتأخريش على الضيوف، والمرة الجاية اللي لسانك يطول فيها، مش هكتفي باللي حصل النهاردة”، بصيت له بعين كلها هدوء مرعب، اتصدم من نظرتي، كان مستني يشوف انكسار أو خوف، بس اللي شافه كان شخص تاني خالص، هزيت راسي بهدوء مصطنع وقولتله: “حاضر يا طارق، اللي تؤمر بيه”، دخلت الحمام قفلت على نفسي، غسلت وشي بماية ساقعة، بصيت في المرايا لنفسي، مسحت كحل عيني اللي ساح وطلعت أحمر الشفاه بتاعي، رسمت ابتسامة خفيفة، في اللحظة دي قررت إني مش بس هخرج وأكمل الغدا، أنا هخرج وأبدا لعبتي، طلعت من الحمام لقيتهم كلهم قاعدين في الصالة بيضحكوا، كأن مفيش حاجة حصلت، قربت من المطبخ وأنا بهمس لنفسي: “اللي يرمي مراته في النار، ميزعلش لو حرقت بيته كله”، خلصت الأكل وقدمته بمنتهى الأدب، وأنا بوزع الابتسامات، حماتي بصتلي باستغراب وقالت بصوت مسموع: “أدينا يا ستي، أهو الواحد لما بياخد على دماغه بيعقل”، تجاهلت كلامها تماماً ووقفت جنب طارق وأنا بملاله كوباية العصير بتاعته، وبهمس في ودنه زي ما عمل معايا: “يا حبيبي أنا أسفة على اللي حصل، متزعلش مني، أنا عارفة إنك كنت عايز مصلحتي”، طارق اتفاجئ من كلامي، وشفت في عينه نظرة استغراب ممزوجة بنوع من الغرور، وكأنه صدق إن “الضعيفة” رجعت لحجمها الطبيعي، بس مكنش عارف إن العصير ده كان جواه “خلطة” خفيفة من الدوا اللي بيخده عشان أعصابه اللي كانت بيخلي الواحد ينام يومين كاملين، بعد الغدا بدقايق بسيطة، لقيت طارق بدأ يميل بجسمه، وعينه بتغلق غصب عنه، خالتة وعمتة استغربوا، وقبل ما يسألوا، قومت أنا بهدوء وقولت: “شكله تعب من المجهود اللي عمله معايا النهاردة، خلوني أدخله ينام في أوضته جوه”، سحبت طارق اللي كان شبه فاقد الوعي ودخلت بيه الأوضة، قفلت الباب بالمفتاح، بس المرة دي مش عشان اتضرب، المرة دي عشان أبدأ أول خطوة في انتقامي، فتحت تليفونه اللي كان دايماً بيخفيه عني، لقيت اللي يخلي البيت ده يتقلب على دماغهم، صور ومكالمات ورسايل بتثبت إن دعاء مش مجرد بنت خالة “متربية على إيده”، دي كانت شريكته في كل حاجة، حتى في سرقة فلوس والده من ورا حماتي، وتصوير فيديوهات فاضحة لناس كتير عشان يبتزوهم، كل ده كان متسجل ومحفوظ، ابتسمت بوجع وأنا باخد نسخة من كل حاجة على كارت الذاكرة بتاعي، وبعت النسخة الأصلية على إيميلي الشخصي، وبعدين فتحت شباك الأوضة، وطلعت بره البيت من غير ما حد يحس، وأنا في قلبي وعد واحد: إن طارق وكل اللي وقفوا يتفرجوا على كسرتي، هيعرفوا إن السكوت اللي فات كان هدوء ما قبل العاصفة، والنهارده بس، عرفت إن الوجع مش دايماً بيقتل، أحياناً بيصحّي الوحش اللي جوانا.
……….
خرجت من البيت وأنا قلبي بيدق بسرعة، مش من الخوف، لكن من الأدرينالين اللي كان بيسري في عروقي. ركبت أول تاكسي قابلني وطلعت على العنوان اللي كنت حافظاه من رسايل طارق؛ مكتب المحامي اللي كان بيبعتله فلوس كل شهر، واللي اكتشفت من الصور إنه شريكهم في “البيزنس” القذر ده. وصلت البيت تاني بليل، طارق لسه غايب عن الوعي من أثر المنوم، وحماتي كانت نايمة هي وخالتة جوزي بعد ما “دعاء” مشيت. دخلت أوضتي بهدوء، رجعت كل حاجة مكانها، وحطيت تليفونه جنبه، وبعدين قعدت جنبه على السرير، بصيت لوشه وهو نايم، ملامحه اللي كنت بشوفها مصدر أمان، بقت بالنسبة لي دلوقت مجرد قناع لواحد حقير ومجرم.
عدت الساعات تقيلة، ومع أول خيوط الفجر، بدأ طارق يتحرك بتثاقل، فتح عينيه وهو بيحاول يفتكر إيه اللي حصل، بصلي وأنا قاعدة في الضلمة بصله هادية، حاول يقوم بس جسمه كان لسه تقيل، اتكلم بصوت مخنوق ومحاولات استيعاب: “إيه… إيه اللي حصل؟ أنا نمت إزاي؟”، قومت وقفت قدامه، رميت التليفون في حضنه وقولت بنبرة خالية من أي مشاعر: “موبايلك كان بيرن كتير طول الليل، فكنت بتابعه عشان محدش يشك في حاجة”.
عيونه وسعت وبدأ يفتح الموبايل بلهفة، فجأة ملامحه اتغيرت، الوش اللي كان بيتصنع القوة بقى أصفر، والدم هرب من وشه لما شاف إن “النسخة” اللي كانت موجودة على الجهاز طارت، حاول يصرخ بس صوته كان لسه طالع مكتوم، مسك دراعي بقوة وهو بيجز على سنانه: “انتي عملتي إيه؟ الملفات دي كانت فين؟”، ابتسمت ابتسامة باردة وسحبت إيدي من قبضته بمنتهى الثقة، قولتله وأنا بتمشى في الأوضة ببطء: “الملفات دي دلوقت في أمان، في إيد ناس تانية خالص، ناس لو عرفوا اللي فيها، طارق بيه مش بس هيطلق مراته، ده هيقضي باقي عمره ورا القضبان، ومعاه أمه وخالته ودعاء”.
طارق حاول يقوم يتهجم عليا تاني، بس كان لسه تحت تأثير الدوا، وقع على طرف السرير وهو بينهج، بصيتله من فوق لتحت وقولت: “إنت فاكر إني ضعيفة؟ إنت اللي علمتني إني لما أحب أدافع عن نفسي، لازم أضرب في المقتل.. والنهاردة، أنا مش محتاجة أصرخ، ولا محتاجة أهل ييجوا يحوشوا عني، أنا بس محتاجة مكالمة واحدة، والبوليس هيكون هنا، ومعاه كل الإثباتات اللي تخلي حياتكم اللي بنيتوها على الذل والابتزاز تنهار في لحظة”.
في اللحظة دي، خبط الباب كان خبطة خفيفة، دخلت حماتي وهي بتمسح عينيها بكسل، وبتبص لي بصه استحقار كعادتها: “طارق يا ابني قومت؟ قوم بقى عشان نلحق نفطر ونشوف موضوع دعاء والخطوبة اللي كنا بنرتبلها”، سكتت فجأة لما شافت طارق متبت في السرير وشه أصفر، وبصتلي أنا اللي كنت واقفة بكل شموخ، حطيت إيدي في جيبي وطلعت نسخة مطبوعة من صور فضيحة “دعاء” ورميتها قدامها على الأرض، قولت بصوت عالي وهادي في نفس الوقت: “افطري يا حماتي، بس خلي بالك، الوجبة دي ممكن تكون الأخيرة ليكم في البيت ده.. لأن اللعبة اللي بدأتوهابضربي بالحزام، أنا نهيتها بضياع مستقبلكم كله”.
حماتي اتجمدت في مكانها، وورقة الصور وقعت من إيدها، طارق كان بيحاول يقوم بس كان مكسور ومذلول، بصلي بصه استجداء، نظرة استرجعت بيها كل كبريائي اللي حاول يدوس عليه، طلعت تليفوني واتصلت برقم كان محفوظ عندي من فترة، قولت بصوت واضح: “أيوة يا سيادة المقدم، أنا مراته.. ومعايا كل اللي طلبته.. أنا مستنياكم”. طارق صرخ باسمي، بس كان خلاص، المراكب اتحرقت، واللعبة انتهت، وأنا واقفة في نص الأوضة، لأول مرة في حياتي بحس إني حرة، مش خايفة من بكرة، لأني بقيت أنا اللي بتحكم في نهايتهم.
……..
في اللحظة اللي طارق سمع فيها صوتي وأنا بكلم الظابط، تحول من شخص مكسور لكتلة من الغضب الهيستيري، حاول يرمي نفسه من على السرير عشان يوصل للموبايل اللي في إيدي، لكنه وقع على وشه من ضعف تأثير المنوم، حماتي كانت واقفة زي التمثال، عينيها بتتنقل بين صور “دعاء” اللي على الأرض وبين ملامحي اللي ماكنش فيها ذرة خوف واحدة.
بصيت لطارق وهو بيحاول يرفع راسه من على السجاد، وبكل هدوء الأعصاب اللي في الدنيا، ركلت موبايله بعيد برجلي، وقلتله بصوت واطي ومسموع في نفس الوقت: “بلاش تتعب نفسك.. الـ Cloud أسرع منك، والنسخ اللي بعتها اتوزعت في أماكن تخليكم تلفوا حولين نفسكم سنين”.
حماتي بدأت تصرخ وتولول، “انتي عملتي فينا إيه يا مصيبة؟ ده بيتك.. ده جوزك!”، بصيتلها بابتسامة باهتة وقولت: “بيتي اللي اتحول لمسلخ، وجوزي اللي استحل ضربي بالحزام.. فين كان بيتكم لما كنت بصرخ وإنتوا واقفين بتسمعوا؟ فين كان دمكم لما دعاء كانت بتمثل دور المظلومة وبتهين كرامتي؟”.
فجأة، صوت فرامل عربيات برا البيت قطع الكلام، وصوت خطوات تقيلة على السلم.. طارق اتجمد، وشه بقى أبيض زي الملاية، حماتي قعدت على الأرض من الخضة وبدأت تنادي على خالتة جوزي اللي كانت لسه نايمة في الأوضة التانية.
بصيت لطارق للمرة الأخيرة، ملامح الانكسار اللي شوفتها في عينيه خلتني أحس بنشوة غريبة، مش فرح، بس راحة نفسية إن الظلم ليه آخر، فتحت باب الأوضة وطلعت للصالة، والشرطة كانت خلاص بتخبط على باب الشقة بقوة..
فتحت الباب، وبصيت للظابط اللي كان واقف بكل هيبة، وورايا كان طارق بيحاول يزحف ببطء، صوته كان طالع زي الفحيح: “لا.. استني.. نتفاهم.. أرجوكي يا إنجي.. نتفاهم”، تجاهلت توسلاته تماماً، بصيت للظابط وقولت بمنتهى الثبات: “اتفضلوا، المجرمين جوه، ومعايا الدليل على كل كبيرة وصغيرة عملوها”.
دخلوا وقبضوا عليهم واحد ورا التاني، حتى دعاء اللي كانت لسه واصلة على باب العمارة اتمسكت وهي بتحاول تهرب، شوفت طارق وهو بيتسحب بالكلبشات من إيده، بصلي بصه أخيرة، كانت خليط من الندم والذهول.. ذهل لأنه مفكرش للحظة إن “الضعيفة” اللي رباها على إيده، ممكن تكون هي اللي تبني المشنقة اللي هيتعدموا عليها اجتماعياً وقانونياً.
قفلت باب الشقة وراهم، البيت بقى هادي بشكل موحش، قعدت على الكرسي اللي كانت دعاء قاعدة عليه من كام ساعة، وطلعت ورقة الطلاق اللي كنت مجهزاها بقالي فترة ومخبيها، مضيتها بإيدي اللي كانت بتترعش من الفرحة، ولأول مرة في حياتي، اتنفسست نفس عميق، مش نفس واحدة مكسورة، بس نفس واحدة استردت حياتها، وكرامتها، وحريتها.. وابتسمت للسقف، لأني عرفت إن اللي جاي، هيكون أول يوم في حياتي بجد.
…….
قعدت لوحدي في البيت اللي لسه ريحة التوتر فيه ماليّة المكان، الهدوء كان مريب، كأن الجدران نفسها خدت نفس عميق بعد ما اتخلصت من طاقة الشر اللي كانت ساكناه. مسكت تليفوني اللي كان بيكمل شحنه، وفتحت صفحة السوشيال ميديا الخاصة بيا، والشرارة اللي جوايا ماكنتش لسه طفت، بالعكس، كانت محتاجة تتنفس عشان اللي عملوه فيّ وفي غيري يطلع للنور.
أخدت “السكريين شوتس” اللي كانت بتوثق تورطهم في عمليات الابتزاز، ورفعت كل ده على جروبات كبيرة، ومعاها اعترافات مسجلة كنت أخدتها ليهم من فترة وهم بيحكوا عن ضحاياهم بكل بجاحة. ماكتفتش بالشرطة وبس، أنا كنت عايزة “الفضيحة” تكون هي العقاب الأكبر، عشان الناس اللي اتأذوا منهم يعرفوا إن حقهم رجع.
عدت ساعات، والتليفون مابطلش رن، رسايل من ضحايا، مكالمات من أهالي، وكلهم بيشكروني. الغريب إني ماكنتش حاسة ببطولة، كنت حاسة بوجع على السنين اللي ضيعتها مع شخص زي ده، بس في نفس الوقت، كان في جزء مني بيتعافى.
بعد يومين، كنت في القسم بخلص إجراءات قضي..ة الخلع، وشفت طارق هناك.. كان شكله متبهدل، اللحية طالت، والهدوم اللي كان بيتباهى بيها بقت مهلهلة، عيونه كانت بتدور عليا في كل زاوية، وأول ما لمحتني، حاول يصرخ، بس العساكر سكتوه. ما قربتش منه، وقفت قدام المحامي بتاعي وأنا لابسة نظارة شمسية، وواخدة قراري إني مش هبص لورا تاني.
طلعت من القسم، الشمس كانت ضاربة في وشي، حسيت بحرارتها لأول مرة من سنين. ركبت عربيتي، وشغلت المزيكا اللي كنت بخاف أسمعها وهو موجود عشان مايقوليش “صوتها عالي”، دست بنزين وأنا بسيب ورايا العمارة اللي قضيت فيها أسوأ أيام حياتي، وبدأت مشوار جديد.. مشوار “إنجي” اللي عرفت قيمتها، اللي عرفت إن قوتها مش في صوتها العالي ولا في ردها بضربة، قوتها في ذكائها، وفي لحظة صدق مع النفس قررت فيها إن “الظلم” مابيتسكتش عليه.
وصلت البيت الجديد، شقة صغيرة بس بتاعتي، دخلت رميت شنطتي، ووقفت قدام المرايا، بصيت لنفسي وابتسمت، ولقيتني بقول بصوت عالي: “أيوة يا إنجي، إنتي قوية، وإنتي اللي كسبتي”.. ومن اللحظة دي، بدأت حياتي الحقيقية، حياة خالية من طارق، خالية من دعاء، وخالية من أي حد يجرؤ إنه يقلل من كرامتي.
…….
عدت سنة كاملة على اليوم ده.. سنة كانت كفيلة تغير ملامح حياتي تماماً. كنت قاعدة في مكتبي الصغير اللي فتحته، شركة صغيرة للدعاية والإعلان، المكتب اللي بنيته من “الصفر” ومن الفلوس اللي كنت بعينها في السر من ورا طارق، والخبرة اللي اكتسبتها من شغلي معاه قبل ما يقرر يطوعني لخدمة أغراضه.
جالي تليفون من محامي القض..ية، ردت عليه بهدوء وثبات: “أيوة يا أستاذ كمال، طمنّي؟”. سمعت صوته وهو بيقول: “حكم النهاردة صدر يا إنجي.. طارق وأمه ومعاهم دعاء، خدوا أحكام مشددة بتوصل لعشر سنين.. الفضايح اللي انتشرت خلت الرأي العام كله ضدهم، ومحدش عرف يخلصهم من القض..ية دي”.
قفلت السكة، وقفت قدام الشباك وأنا ببص على زحمة القاهرة، مكنتش حاسة بشماتة، كنت حاسة براحة تشبه نسيم الهوا الصافي بعد عاصفة قوية. في اللحظة دي، دخلت واحدة من الموظفات عندي، بنت صغيرة لسه في بداية طريقها، عينيها كانت مكسورة، وبصتلي بخوف وقالت: “يا مدام إنجي، فيه حد برا بيضايقني، و.. وخطيبته بتبعتلي رسايل تهديد ومكالمات”.
بصيت للبنت، وشفت في عيونها “إنجي” بتاعة زمان.. الضعف، الخوف، والارتباك. قمت من على المكتب، مشيت ناحيتها، حطيت إيدي على كتفها بحنان وقوة في نفس الوقت، وابتسمت ابتسامة الواثق اللي جرب النار وعارف إزاي يطفيها.
قلتلها بصوت ثابت وواضح: “بصيلي كويس.. مفيش حد في الدنيا دي يقدر يكسرك، إلا لو إنتي سمحتي له. امسحي دموعك دي، وطلعي تليفونك، وريني كل رسايلهم، وقومي ارفعي راسك.. لأنك من النهاردة مش لوحدك، أنا معاكي، وهنخلي اللي يفكر بس يقلل من كرامتك يدفع التمن غالي”.
البنت مسحت دموعها وبدأت الابتسامة ترجع لوشها تدريجياً، وفي اللحظة دي عرفت إن التجربة القاسية اللي عشتها مكنتش مجرد “عذاب” مر في حياتي، كانت رسالة. أنا دلوقتي مش بس إنجي اللي نجت، أنا إنجي اللي بقت درع لكل واحدة بتتعرض لنفس الظلم.
سيبت الشباك، ورجعت قعدت على كرسيي، مسكت قلمي، وبدأت أخطط لحياتي الجاية، ولحياة أي واحدة محتاجة صوت قوي يدافع عنها. طارق وشرّه بقوا جزء من الماضي، ذكريات بعيدة وموجعة، لكنها بقت “الوقود” اللي بيحركني لقدام.
أنا إنجي.. والنهاردة، أنا بكتب أول صفحة في فصل جديد خالص من كتاب حياتي، فصل عنوانه: “أنا اللي اخترت، وأنا اللي كسبت، وأنا اللي بكمل”.
تمت
حكايات انجى الخطيب