مراتى بتشتغل ١

كامله

دخلت الأوضة، لقيت دواليبها مفتوحة ومفضية كل هدومها القديمة. ما سابتش وراها فتلة واحدة، كأنها بتمسح وجودها من شقتي ومن حياتي. قعدت على الأرض وبكيت لأول مرة من سنين.. بكيت بدموع قهر وندم حرقوا قلبي، عرفت إني خسرت الدهب عشان خاطر التراب، وإني بعت الإنسانة الوحيدة اللي حبتني بجد عشان خاطر “منظر كداب”.

تاني يوم الصبح، روحت على المصنع. كنت لسه بملابس عادية وعينيا منفوخة من قلة النوم. أول ما وصلت، لقيت أفراد الأمن واقفين على البوابة، ومنعوني أدخل.

قلت لهم بذهول:

— إنتوا بتمنعوني أنا؟ أنا أحمد المشرف العام!

واحد منهم رد عليا بأسف:

— معلش يا أستاذ أحمد.. دي أوامر مباشرة من رئيس مجلس الإدارة الجديد. حضرتك مالكش دخول هنا، وحاجتك الشخصية اللي في مكتبك مبعوتة على عنوان بيتك مع مندوب.

وفي اللحظة دي، دخلت عربية سودا فخمة من بوابة المصنع. الإزاز الوراني نزل بالراحة.. وكانت منى.

كانت لابسة لبس غالي وأنيق، ووشها هادي وصافي، بس عينيها مفيش فيها أي لمعة حب ليا، كانت نظرة باردة لدرجة إنها جمدت الدم في عروقي.

جريت على العربية ووقعت على ركبي جنب الباب، ودموعي نازلة:

— منى.. عشان خاطر ربنا اسمعيني. أنا أسف، أنا كنت غبي وعميت، أمي هي السبب.. أنا بحبك ومش عايز فلوس ولا مصانع، أنا عايزك إنتي بس! ارجعيلي يا منى ومتخربيش بيتنا!

منى بصتلي ثواني، ابتسمت نفس الابتسامة الوجيعة بتاعة ليلة الفرح، وقالت بصوت قوي وناشف عمري ما سمعته منها قبل كده:

— بيتنا اتخرب يوم ما وقفتني على الباب يا أحمد.. يوم ما شوفت إيدي الخشنة ومفتكرتش إنها خشنت عشانك وعشان أهلك. الفلوس والمصنع دول بتوع أبويا الله يرحمه، وأنا كنت بشتغل في المصنع ده بالذات عشان أكون قريبة من العمال وأفهم الشغل قبل ما يستلم المحامي التركة ويخلص الإجراءات.. كنت بشتغل بتعب إيدي عشان أثبت لنفسي وإليك إن الست بأصلها وشقاها. بس إنت وأهلك سقطتوا في الإختبار.

حاولت أمسك إيدها، بس رفعتها بسرعة وقالت للسواق: “اطلع يا عم محمد”.

العربية مشيت وسابتني وراها في تراب الشارع، والعمال اللي كنت بتحكم فيهم واقفين يتفرجوا عليا وعلى ذلي. رجعت البيت وأنا مكسور، لقيت أمي وأختي قاعدين في الصالة بيصرخوا؛ عريس أختي لما عرف باللي حصل، واكتشف إن الشقة والشيك باسم أختي من منى مش من طريقي أنا، وعرف إن منى بقت صاحبة المصنع وأنا اتمشيت، خاف من المشاكل ومن شكلنا وقرر يفسخ الجوازة ويرد لها حاجتها!

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *