انا وسلفتى حكايات رومانى مكرم 5
جاءت الخطوة الكبرى بعد مرور عدة أشهر على استقرارنا في القاهرة. كنا قد حققنا نجاحات ضخمة في السوق، وبات اسم كريم وأخي الأكبر يتردد في أوساط رجال الأعمال بكفاءتهما ونزاهتهما. وفي أحد الأيام، التفت إليّ طارق ابن خالتي وقال بابتسامة ذات مغزى: “يا رشا، الأصول بتقول إن الباشا لما ربنا يكرمه ويعلى مقامه، لازم يرجع يزور مكانه القديم.. مش عشان يعيش فيه، لكن عشان يوري الكل إن ربنا عادل، وإن اللي صان كرامته وعزة نفسه كسب الدنيا كلها. إحنا هننزل البلد الأسبوع الجاي بزفة سيارات ما شافتهاش المحافظة كلها، عشان نقوم بواجب عائلي كبير.”
وبالفعل، وفي يوم جمعة مشهود، اهتزت شوارع البلدة بأكملها تحت وقع أسطول من السيارات الفارهة السوداء، تتقدمها سيارة كريم الفخمة وجوارها سيارتي، وخلفنا أولاد خالتي وأخي الأكبر بحراستهم الشخصية. خرجت البلدة كلها لتشاهد هذه “الزفة الأسطورية” التي لم تكن لحفل زفاف، بل كانت زفة عزة وكرامة لـ “رشا وكريم” العائدين من العاصمة.
توقفت السيارات أمام بوابة بيت العيلة الكبير، ونزلنا بكل هيبتنا وجاهنا. كنت أرتدي عباءة من الحرير الفاخر وتتألق في يدي ورقبتي أطقم الذهب والألماس التي أهداني إياها إخوتي وزوجي، ودخلنا إلى القاعة الكبرى بالطابق الأرضي حيث كانت حماتي الحاجة فاطمة وسلفتي سلوى وأعمام كريم يجلسون بملامح مخطوفة وعيون يملأها الذهول والارتباك.
جلس كريم في صدر القاعة وإلى جواره طارق وعاصم وماجد وأخي الأكبر، بينما وقفتُ أنا بكل ثقة ألقي السلام. تقدمت حماتي بخطوات مرتعشة، وقد تبدل جبروتها وقسوتها السابقة إلى نظرات رجاء واستعطاف، وقالت بصوت متهدج: “أهلاً يا كريم يا ابني.. نورت بيتك ومطرحك، نورتي يا رشا يا بنتي.. يا مرحب بالبشوات.”
لم ترفع سلوى عينيها من الأرض؛ فقد كانت تجلس في زاوية القاعة وهي تكاد تموت كمداً وغيظاً، بعد أن رأت بأم عينيها الفخامة والجاه اللذين أعيش فيهما، واللذين جعلا من جهازها وذهبها القديم شيئاً بسيطاً لا يُذكر.
التفت طارق نحو أعمام كريم وحماتي، وقال بنبرة صوت قوية ملأت القاعة:
> “يا جماعة، إحنا جينا النهاردة عشان نطمنكم على كريم ورشا. كريم دلوقتي مش مجرد ابنكم، كريم بقى من كبار مديري شركاتنا وشريك رسمي، والخير اللي هو فيه يسد عين الشمس. وإحنا جينا عشان نقوم بالواجب القديم اللي فاتنا في البلد هنا، وكمان عشان نبلغكم إننا اشترينا الأرض الكبيرة اللي على أول الطريق الرئيسي للبلد، وهنبني عليها مجمع سكني وتجاري باسم رشا وكريم، عشان الكل يعرف إن ضهر رشا وسندها ما بيخلصش.”