انا وسلفتى حكايات رومانى مكرم 5

وفي الصيف، كان أولاد خالتي البشوات يحجزون لنا شاليهات خاصة في أرقى قرى الساحل الشمالي. كنا نسافر بسياراتنا الفارهة لنقضي الأسابيع أمام مياه البحر الزرقاء الصافية، أرتدي أرقى الملابس والفساتين التي تشتريها لي أمي من أرباح ورثها، ونستمتع بالرفاهية التي حُرِمنا منها طويلاً. أقف على شاطئ البحر، وأتذكر تلك الأيام التي كنت أبكي فيها في بلكونة الشقة الضيقة ببيت العيلة، فأبتسم وأحمد الله الذي يعز من يشاء بحكمة وصبر.

ولم نكن ننعم بهذا النعيم وحدنا، بل كانت أمي تعيش معنا أحلى أيام عمرها في شقتها الفخمة القريبة منا؛ شُفيت من تعب السنين، وصارت تجلس بيننا كالملكة، تحيط بها الرعاية من كل جانب. وأخي الأكبر أصبح يستعد لزفافه في أكبر قاعات القاهرة، واشترى لعروسه جهازاً وشبكة يتحدث عنها الجميع، ليثبت أن “أولاد مواليد 88” وجيلنا شقوا طريقهم بالصبر وعزة النفس حتى وصلوا إلى قمة الجاه.

كانت هذه العيشة النظيفة والفُسح المستمرة تصل أخبارها وصورها أولاً بأول إلى البلدة والبيت الكبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي وألسنة الأقارب. كانت الصور تنزل على قلب سلفتي سلوى كالصواعق؛ وهي تراني أتنقل من مكان فاخر إلى آخر، وأرتدي أحدث صيحات الموضة والألماس، بينما هي محبوسة في شقتها المقابلة ببيت العيلة، تأكل الغيرة قلبها بعد أن تلاشت مظاهر عائلتها التجار أمام ثروة البشوات وورث أمي. أما حماتي، فكانت تجلس نادمة، تتمنى لو يعود بها الزمن يوماً واحداً لتستقبلني بالترحاب بدلاً من المذلة.

لكن هذه العيشة الهنيئة والفسح الساحرة كانت بمثابة الشحن الأخير لطاقتنا، فالوقت قد حان لإغلاق كتاب الماضي تماماً. وفي وسط هذه الأجواء الاحتفالية والنظيفة، رن هاتف كريم ليعلن عن اتصال طارئ من البلدة.. اتصال يحمل التفاصيل الأخيرة التي ستضع الكلمة الأخيرة في هذه القصة، وتحدد المصير النهائي لبيت العيلة الكبير وبمن فيه.. فما هو هذا الاتصال، وكيف ستكون نهاية الظلم وبداية عهد عزة النفس المطلق في الجزء الأخير؟

لم يمر وقت طويل على ذلك الاتصال الطارئ، حتى تبين أن المكالمة كانت من أعمام كريم، يطلبون منه التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في “البيت الكبير”. فالأحوال هناك انقلبت رأساً على عقب؛ التجارة التي كانت تتفاخر بها سلوى وعائلتها تعرضت لخسائر فادحة أدت إلى إفلاس والدها، والبيت الذي كان يملأه الجبروت والمظاهر الزائفة أصبح كئيباً ومهجوراً، ولم تعد حماتي تجد من يخدمها أو يواسيها بعد أن انشغلت سلوى بمشاكل عائلتها المنهارة، وباتت تندم على كل لحظة ظلمتني فيها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *