عيال جوزى ٢

حكايات صافى

نظرتُ إلى المحامي، كانت يده ترتجف وهو يمسك الورقة، وعيناه تائهتان بين السطور وبين ملامح وجهي التي تحولت إلى لوح من الثلج. جلال لم يرفع رأسه عن الأرض، كان يصدر منه صوت أنين مكتوم، كحيوان جُرح في مقتل وينتظر رصاصة الرحمة.

​أما حازم، فكان يتقدم نحوي بخطوات ثقيلة، وعيناه تتسعان بذكاء شرير وصدمة أطاحت بكل ما تبقى من عقله، صرخ وعروق رقبته تنبض بشدة: “يعني طول السنين دي كنتِ بتذلينا بفلوسنا؟ كنتِ بتعملي فيها الست الشهمة الجدعة اللي بترموا لحمكم في حضنها وأنتِ واكلة ورثنا ونهبانا بالاتفاق مع أبويا؟!”

​حاولت ليلى أن تقف، لكن ركبتيها لم تسعفاها، فسقطت على الكنبة وهي تضع يدها على فمها وتنظر إليّ برعب كأنها تراني لأول مرة.

​التفتُّ إلى ولاء، كانت تقف ويدها في وسطها، وعلى وجهها ابتسامة نصر مشوهة، ابتسامة امرأة ظلت تُهزم لاثني عشر عاماً، ووجدت أخيراً الطعنة التي تسددها في قلبي وتنهي المعركة لصالحها.

​قالت ولاء بنبرة تقطر سماً: “شفتي بقى يا ست كريمة؟ شفتي إن قعدة البيت والطبخ والنفخ ودور الأم المثالية كان متغطي بفلوس الراجل ده؟ أنتِ مكنتيش بتصرفي من جيبك.. أنتِ كنتِ بتديري غسيل أموال ونصب عقاري باسمك، وعشان كده كنتِ مستحملة الذل وقاعدة! الورقة دي ‘إقرار تنازل وإثبات صورية’ ممضي ومبصوم من جلال ومنك أنتِ كمان يا حلوة يوم ما نقلتوا العقارات دي قبل القض..
ية بتاعتي القديمة.. يعني تزوير رسمي في أوراق رسمية.”

​المحامي اقترب مني وهمس بصوت خفيض جداً وهو يداري الورقة: “مدام كريمة.. الكلام ده حقيقي؟ الإمضاء دي بتاعتك؟ لو الورقة دي راحت النيابة، إحنا بندخل في جناية تزوير ونصب.. دي فيها سجن مش أقل من سبع سنين!”

​شعرتُ بجفاف شديد في حلقي. نظرتُ إلى جلال الذي زحف على ركبتيه حرفياً حتى وصل إلى قدمي ولاء، وأمسك بطرف عباءتها وقال بصوت مكسور ذليل: “بلاش يا ولاء.. بلاش ونبي.. أنا هعملك كل اللي أنتِ عايزاه.. العيال ملهمش ذنب يشوفوا أبوهم في السجن.. وكريمة ملهاش ذنب، أنا اللي طلبت منها تمضي عشان أحمي البيت من الحجز!”

​حازم دفع أباه بعيداً بقرف وصرخ فيه: “سيبها يا بابا! خليهم يتسجنوا.. خليهم يدفعوا ثمن السنين اللي عشناها وإحنا فاكرين نفسنا شحاتين على باب الست دي!”

​ثم التفت حازم إليّ، واقترب حتى صارت المسافة بيننا سنتيمترات قليلة، وقال وعيناه تشتعلان بالغل: “قدامك أربع وعشرين ساعة يا كريمة.. ترجعي كل مليم اتسحب من الحسابات، وتدفعي قسط العربية والكلية، وتكتبي إقرار وتنازل عن كل شبر في الفيلا دي والشركات ليا أنا وأختي.. يا إما وقسمًا بالله، أنا اللي هبلغ عنك وعن أبويا بإيدي دي، وهرميكي في السجن مطرح ما تستحقي.”

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *