عيال جوزى ٢
حكايات صافى
نزلتُ من السيارة وركضتُ نحو الحواجز الأمنية وأنا أصرخ: “أنا صاحبة البيت! أنا مراته! سيبوني أعدي!”
منعني أحد ضباط الشرطة بقوة وهو يقول: “ممنوع يا مدام! المكان خطر والداخلية بتتعامل، الرجاء التراجع!”
نظرتُ من فوق كتفه إلى الفيلا.. الفيلا التي دفعتُ فيها تحويشة عمري، الفيلا التي كنت أكنس ترابها بيدي وأختار ستائرها حتة حتة. النيران كانت تخرج من نوافذ الطابق الثاني بغضب مرعب، وصوت فرقعة الزجاج والخشب يتصاعد في الهواء.
وفجأة، خرج رجلا إطفاء من الباب الرئيسي وهما يحملان جث..ة مغطاة بغطاء أبيض ملوث بالرماد والسواد، وتبعهما مسعفون يحملون محفات أخرى.
ركضتُ نحو سيارة الإسعاف والدموع تعمي عيني، لم أعد أعرف هل أبكي على السنين، أم على الخيانة، أم على الموت الذي جمعهم في لحظة واحدة. استطعتُ أن أفلت من العساكر ووصلتُ إلى المحفة الأولى التي وُضعت في السيارة.
دفعني المسعف: “يا مدام ابعدي لو سمحتِ!”
لكن يدي امتدت وجذبت الغطاء الأبيض عن الوجه بغريزة لا واعية. حبستُ أنفاسي.. كان جلال. وجهه كان مشوهاً بفعل الدخان والحروق، وعيناه جاحظتان بجزع وموت مرعب. كان قد فارق الحياة تماماً.
التفتُّ بجنون للمحفة الثانية التي كانت تخرج من الفيلا، صرختُ: “حازم! ليلى!”
خرج طبيب الطوارئ من وسط الفوضى، كان يمسك بملف صغير والرماد يغطي بدلتيه الطبية، نظر إليّ وقال بصوت جهوري مجهد: “أنتِ تصربي للضحايا إيه؟”
قلتُ بصوت مبحوح والارتجاف يخلع فكي: “أنا.. أنا كريمة.. مرات صاحب الفيلا.. و.. وأم العيال.” (نطقتها.. نطقتها لأول مرة في حياتي دون خوف).
نظر إليّ الطبيب بنظرة غريبة، نظرة جمعت بين الشفقة والغموض، وقال وهو يشير إلى المحفات التي تُنقل إلى سيارات الإسعاف الأخرى: “جلال بيه وولاء هانم ماتوا كتمة نفس قبل ما النار توصلهم.. لكن الشاب والبنت.. حازم وليلى.. لسه فيهم النفس، بس حالتهم خطيرة جداً ونقلناهم مستشفى الحروق.”
تنفسنا الصعداء للحظة، لكن الطبيب لم ينتهِ من كلامه، اقترب مني وهمس بنبرة جعلت الأرض تهتز تحت قدمي من جديد: “بس في حاجة لازم تعرفيها يا مدام.. المباحث الجنائية عثرت في الصالة تحت على جث..ة خامسة متفحمة تماماً.. جث..ة راجل غريب ملوش أي علاقة بالعيلة، والباب كان مقفول عليه من بره بالجنزير مع جلال وولاء!”
تراجعتُ خطوتين للخلف وكأن الطبيب وجه إلى صدري ضربة مباغتة. ج..ثة خامسة؟ راجل غريب؟ والباب مقفول بالجنزير من بره؟