عيال جوزى ٢

حكايات صافى

​التفتُّ إلى طارق المحامي الذي بدأت ملامحه تنفرج عن ابتسامة انتصار خفية، وأكملت كلامي: “عارف ده معناه إيه يا طارق؟ معناه إن لو حازم أو ولاء قدموا الورقة اللي معاهم للنيابة عشان يثبتوا إن البيع صوري وإن الأملاك دي بتاعة جلال.. المحكمة هتلغي البيع فعلاً، والأملاك هترجع باسم جلال.. وفي نفس الدقيقة، أنا هرفع الشيكات اللي معايا. وبما إن جلال مبقاش مفلس والأملاك رجعت باسمه، المحكمة هتحجز على الفيلا والشركات لصالحي لسداد المديونية، ده غير إن جلال هيتسجن بتهمة إصدار شيكات بدون رصيد لأن قيمة الأملاك متغطيش نص المديونية اللي عليه ليا.”

​سقط جلال على الأرض مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن يبكي، بل كان يلطم على وجهه كالمجنون وهو يتمتم: “خربت.. بيتي اتخرب.. العيال ضيعوني وضيعوا نفسهم.”

​وقفت على حيلي، ونظرت له من أعلى باحتقار لم أكن أعرف أنني أمتلكه: “العيال مضيعوكش يا جلال.. أنت اللي ضيعت نفسك لما سبتهم يمسحوا بكرامتي الأرض وأنت قاعد تتفرج وتعمل نفسك مش واخد بالك. أنا كنت مستعدة أقطع الورق ده وأرميه في النار، وكنت هكمل معاكم عمري كله خدامة تحت رجليكم بس بحب ورضا.. لو كنت لقيت منكم ذرة تقدير.”

​أشرت للمحامي: “لم ورقك يا طارق.. ويوم الأحد الصبح ترفع دعوى الحجز التنفيذي بالشيكات اللي معاك. خليهم يروحوا يبلغوا براحتهم.. خليهم يثبتوا إن الأملاك بتاعة أبوهم عشان أقدر أحجز عليها وأرميه في السجن قانوني.”

​استدار طارق وهو يجمع أوراقه بحماس، بينما زحف جلال نحوي ليمسك بقدمي وهو يصرخ: “أبوس إيدك يا كريمة! ارحميني.. أنا ماليش ذنب.. ولاء هي اللي شيطنت العيال.. أنا مليش دعوة!”

​سحبت قدمي منه بقوة، وقلت بنبرة كحد السيف: “فات الميعاد يا جلال. بلغ ولادك إن لو الفلوس اللي اتصرفت عليهم في الأسبوعين اللي فاتوا من حساباتي مرجعتش لحد آخر قرش، أنا مش بس هحجز على الفيلا.. أنا هرميهم في الشارع بهدومهم.”

​تخطيت جلال الملقى على الأرض، وخرجت من باب الفيلا. تنفست هواء التجمع البارد لأول مرة كأنني أستنشق حريتي. ركبت سيارتي، وأنا أعلم جيداً أن القنبلة التي تركتها خلفي ستنفجر في وجه ولاء وحازم وليلى بمجرد أن يخبرهم جلال بالحقيقة.. وأن دور “الأم البديلة” قد انتهى، ليبدأ دور “الدائنة” التي لا ترحم.

لم تمر سوى ثلاث ساعات على خروجي من الفيلا، حتى بدأ الجحيم المستعر يلتهم هواتفهم. كنت قد عدت إلى شقتي في مصر الجديدة، جلست على مقعدي الخشبي القديم أراقب شاشة الهاتف وهي تضيء دون توقف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *