عيال جوزى ٢

حكايات صافى

​المقدم أحمد وضع الورقة على المكتب ببطء، شبك أصابعه ونظر إلينا بنظرات حادة كالمشرط، ثم وجه حديثه إليّ: “حازم قال للمسعف في عربية الإسعاف كلمة واحدة قبل ما يفقد الوعي تاني.. قال: (المحامي هو اللي قفل الباب).. حازم لمح ملامحه من شباك الدور الأرضي وهو بيرمي بنزين وقفل الجنزير.”

​طارق انتفض من الكرسي كالمجنون، واهتزت نبرات صوته برعب حقيقي: “كذب! ده كذب وافتراء يا فندم! حازم بيكرهني ومستقصدني عشان أنا محامي مدام كريمة وبجيب لها حقها! أنا كنت في بيتي نايم.. المدام هي اللي معاها المفاتيح وهي اللي ليها مصلحة!”

​وقفتُ على حيلي ونظرتُ إلى طارق ببرود تام، وقلت بصوت حاسم: “المفاتيح الاحتياطية وعربيتي ومفاتيح الفيلا كانت عندك في المكتب من إمبارح يا طارق.. أنت طلبتهم مني بحجة إنك هتبعت مندوب الصبح بدري يرفع مقاسات الفيلا لمعاينة دعوى الحجز.. نسيت؟”

​التفتُّ للمقدم أحمد وأكملتُ بثبات: “يا فندم، طارق مش بس المحامي بتاعي.. طارق معاه توكيل عام رسمي شامل مني ومن جلال الله يرحمه من سنين لإدارة الشركات وفض الشراكات، وبموجب الشيكات اللي كشفنا عنها إمبارح، وبموت جلال وشريف وولاء، ودخول العيال العناية المركزة، طارق كان الوحيد اللي هيحط إيده على ملايين الشركات والتعويضات من غير ما حد يحاسبه.. والشرطة تقدر تفحص تليفونه وتشوف لو كان يعرف بميعاد وصول شريف جوز ولاء لمصر.”

​ملامح طارق انخسفت تماماً، وسقط على الكرسي وكأنه ج..ثة بلا روح. الضابط أشار للعساكر: “خذوا الأستاذ طارق على الحجز، وتحفظوا على تليفونه وعربيته فوراً، واستدعوا المندوب والبوّاب بتاع مكتبه.”

​سحبوا طارق وهو يصرخ ويستعطف، بينما جلستُ أنا على الكرسي وأنا أشعر بالإنهاك ينهش عظامي. نظرتُ للمقدم أحمد وقلت: “أنا ممكن أمشي يا فندم؟ عايزه أروح للولاد المستشفى.”

​نظر إليّ الضابط بنظرة هادئة بعد أن زال الشك عني، وقال: “تقدري تتفضلي يا مدام كريمة.. ربنا يكون في عونك، الحادثة كبيرة.”

​ركضتُ إلى مستشفى الحروق بالدقي. رائحة الممرات المقبضة وصوت الأجهزة الطبية كانت تزيد من دقات قلبي. وقفتُ أمام زجاج العناية المركزة.. ليلى كانت تنام هناك، وجهها الجميل المغرور مغطى بالضمادات البيضاء، وجسدها موصل بأنابيب التنفس. وفي الغرفة المجاورة، كان حازم، الشاب الطويل العريض الذي كان يصرخ في وجهي بالأمس، يرقد بلا حول ولا قوة، والرماد لا يزال عالقاً بأطراف شعره.

​دخلتُ إلى طبيب الرعاية، سألته بلهفة وأنا أرتجف: “أرجوك يا دكتور.. طمني عليهم.. هما عيالي.. أنا اللي مربياهم.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *