عيال جوزى ٢

حكايات صافى

​بدأ الأمر بـ ٢٧ مكالمة فائتة من حازم، تلتها رسائل نصية قصيرة بدأت بتهديدات عنيفة: “أنتِ فاكرة نفسك هربتِ؟ المحامي بتاعنا شغال في البلاغ”، ثم تحولت الرسائل بعد ساعة واحدة إلى نبرة أخرى تماماً بعدما عاد إلى الفيلا وصدمه أبوه بالحقيقة. أرسل حازم: “أرجوكِ ردي يا طنط كريمة.. بابا في المستشفى وضغطه عالي.. عايزين نفهم في إيه؟”.

​لم أمنحهم رفاهية الرد. تركتهم يتخبطون في رعبهم.

​وفي تمام الساعة العاشرة مساءً، سمعت طرقات عنيفة على باب شقتي. لم تكن طرقات غريب، كانت خبطات يائسة لشخص يغرق. فتحتُ الباب ببرود شديد، لأجد حازم وولاء يقفان أمام الصالة، وخلفهما ليلى التي كانت تبكي بصوت مسموع ووجهها شاحب كالموتى.

​تنحتُ جانباً وأشرت لهم بالدخول دون أن أنطق بكلمة.

​دخل حازم بخطوات منكسرة، طأطأ رأسه التي كانت مرفوعة بالسماء منذ ساعات، وقال بصوت متحشرج: “بابا حكالنا على الشيكات.. إحنا مجيناش نهدد، إحنا جينا نصلح الموضوع.”

​ولاء كانت تقف خلفه، تخلت تماماً عن شموخها المزيف وشنطتها الفاخرة، اقتربت مني بخطوات مرتجفة وقالت بنبرة تكاد تكون شاحذة: “كريمة.. إحنا ولاد حارة واحدة ونعرف الأصول.. بلاش تخربي بيت الراجل وتضيعي العيال.. الورقة اللي معايا أنا هقطعها قدامك حالاً، بس تقطعي الشيكات وتسيبي الفيلا والشركات للعيال.”

​نظرتُ إليها من أعلى لأسفل، وأطلقتُ ضحكة قصيرة هزت أركان الغرفة، ضحكة خرجت من وسط قهر اثني عشر عاماً: “تقطعي إيه يا ولاء؟ الورقة الصورية اللي معاكي دي بقت هي طوق النجاة الوحيد ليا! أنا مبقتش عايزاكِ تقطعيها.. بالعكس، أنا مستنياكم تقدموها للنيابة الصبح بفارغ الصبر عشان تثبتوا إن الأملاك دي بتاعة جلال، فتنزل عليها شيكاتي زي المقصلة.”

​التفتُّ إلى حازم الذي كان ينظر إلى الأرض بعار غير مسبوق، وقلت له: “مش أنت اللي قلت لي من كام ساعة ‘مش أنتِ اللي ربتينا بلاش تعيشي الدور’؟ ومش أنتِ يا ليلى اللي قلتي ‘أنتِ كنتِ بتساعدي بابا وده موضوع ثاني’؟ أنا فعلاً كنت بساعد باباكم.. بساعده عشان يحميكوا ويحمي لقمة عيشكم. والنهاردة أنا هعلمكم الدرس الأخير في التربية.. الدرس اللي أمكم الحقيقية معرفتش تعلمهولكم.. إن قلة الأصل ليها تمن، والتمن ده غالي أوي.”

​ليلى ارتمت عند قدمي وهي تبكي بحرقة: “عشان خاطري يا طنط كريمة.. أنا بكره عندي امتحان ومصاريفي لو مدفعتش هتحرم من التيرم.. والجامعة كلمتني لغوا المنحة.. أبوس إيدك سامحينا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *