انا وسلفتى حكايات رومانى مكرم 5
لكن كريم، الذي أصبح رجلاً مسؤولاً ذو حكمة بفضل عيشته الجديدة مع البشوات، قرر ألا يتخلى عن أصوله. أرسل لوالدته مخصصاً مالياً شهرياً يليق بها، ووفر لها من يرعاها، ليثبت بالدليل القاطع أن أصله الطيب ورثه من أمي وأهلي، وأن كرامة النفس تعني العفو عند المقدرة، دون أن نعود للعيش تحت سقف ذلك البيت الذي شهد كسرنا.
وفي غمرة هذا الانتصار والعيشة النظيفة الفارهة في القاهرة، جاءت الفرحة الكبرى التي توجت هذه الرحلة الأسطورية، وجعلت قلوبنا تطير من السعادة.
في أحد الصباحات الهادئة، شعرتُ ببعض التعب والإرهاق، فذهبت رفقة كريم إلى أكبر أطباء القاهرة للاطمئنان. وبعد إجراء الفحوصات، التفت إلينا الطبيب بابتسامة واسعة وقال: “مبروك يا مدام رشا.. مبروك يا بشمهندس كريم، المدام حامل في شهرها الثاني، والتحاليل كلها ممتازة.”
لم تسعنا الفرحة في تلك اللحظة؛ انهمرت دموع كريم وهو يعانقني ويحمد الله بصوت مرتجف، وشعرتُ أنا بأن الله لم يعوضني بالمال والجاه فقط، بل أنعم عليّ بأجمل نعم الدنيا ليكون هذا الجنين ثمرة لصبرنا وعزة نفسنا. طار الخبر إلى أمي وأخي وأولاد خالتي البشوات، الذين أقاموا احتفالاً ضخماً في قصرنا بالقاهرة، وقدموا الهدايا والمباركات لهذا الطفل القادم الذي سينشأ في عز، ورفعة، وحياة نظيفة تليق بأسماء عائلته الكبيرة.
وصارت الأخبار تصل إلى البلدة، ليعلم الجميع أن رشا التي دخلت بصينية بسبوسة، أصبحت اليوم الهانم وصاحبة الأملاك، ومستقبل عيلتها يمتد بجنين يحمل في عروقه دماء البشوات والكرامة.
### الحكمة من القصة:
> **إن المظاهر الزائفة والأموال الفانية لا تصنع قيمة للإنسان، فالجهاز الفاخر والذهب والتباهي بالمال يزول في لحظة أمام تصاريف القدر. القيمة الحقيقية تكمن في عزة النفس، وطهارة الأصل، والصبر على الابتلاء بكبرياء دون استجداء. ومن يصون كرامته ويحتسب ظلمه عند الله، يرفع الله مقامه ويفتح له طاقات القدر من حيث لا يحتسب، ليظل الأصل الطيب هو السند الحقيقي الذي لا ينقطع أبداً.**
>