وجع لا ينتهى ٢
بقلم امانى سيد
فتحت الباب وخرجت.. وأول ما رجلي خطت عتبة الشقة بره، حسيت بنسمة هوا باردة دخلت صدري.. حسيت إني بتنفس لأول مرة من عشرين سنة. قفلت الباب ورايا وأنا مقررة إني عمري ما هبص ورايا تاني.. اللي فات مات واندفن، واللي جاي بتاعي أنا وبس.
نزلت السلم وأنا حاسة إن خطوتى بقت أخف، وكأن جبل كان شايل على ضهرى واتزاح. ركبت أول عربية رايحة على بيت أهلي.. البيت القديم اللي سيبته من سنين طويلة عشان أروح لبيت الجحيم. البيت كان مقفول من وقت ما أبويا وأمي الله يرحمهم فارقوا الدنيا، بس مفتاحه كان دايماً في جيبى، كأنه كان مستنيني لليوم ده.
فتحت الباب.. ريحة التراب والذكريات القديمة ملّت صدري. الشقة كانت ضلمة ومتهورة، بس بالنسبة لي كانت أوسع وأحن من كل قصور الدنيا بفلوسها ومظاهرها. شمّرت دراعاتي، وفتحت الشبابيك عشان أدخل نور ربنا والهوا النضيف اللي انحرمت منه.
وأنا بنضف وواقفة على السلم بمسح الباب، لقيت جيراني زمان، الناس الطيبين الأاصليين اللي لسه فاكريني، اتلموا عليا. أم أحمد وجارتنا القديمة أم محمد، أول ما شافوني جريوا عليا وخدوني بالحضن: “يا مرحب يا نجوى! يا بنتي فين أيامك؟ عاش من شافك يا غالية!”
الترحيب والدفا اللي شوفتهم في عيونهم خلوا دموعي تنزل، بس المرة دي كانت دموع راحة. الكل بقى يوجب معايا.. دي تطلعلي بصينية غدا، ودي تجيب معاها مقشة وتساعدني في التفضيب، ودي تقولي: “لو عوزتي أي حاجة إحنا عينيا ليكي، أنتِ بنت الحتة وأصلها”. حسيت لأول مرة من سنين إن ليا قيمة، وإن فيه ناس بتشوفني وبتقدرني من غير ما أكون خدامة عندهم.
بعد أسبوعين وأنا قاعدة في شقتي اللي بقت زي القشطة، الباب خبط. فتحت لقيت محضر باعتلي ورقتي.. ورقة طلاقي. ومعاها ظرف فيه قرشين، حق مؤخري ونفقتي اللي رماهم لي عشان يخلص من ذنبه، كأنه بيشتري ضميره بالفلوس زي ما عادته. بصيت للورقة والفلوس، وافتكرت إنه زمان كان الحاجات دي ممكن تكسرني، بس النهاردة أنا خدت الفلوس وحطيتها في المطبخ بكل برود، وقولت: “الحمد لله اللي فك أسرى بالمعروف”.
مرت الشهور وأنا عايشة لنفسي.. بنزل السوق، بتكلم مع الجيران، بضحك من قلبي، وصحتي ووشي ردت فيهم الروح. الجيران بقوا أهلي، وفي يوم، وأنا قاعدة عند أم أحمد بنشرب الشاي، بصت لي وقالتلي بنبرة كلها حنية: “بصي يا نجوى يا بنتي.. إحنا شيفينك ست عاقلة وأصيلة، والدنيا لسه قدامك. فيه أستاذ عبد العزيز، جارنا في البيت اللي قصادنا.. راجل طيب وأرمل من كام سنة، شغال موظف محترم وملوش في القيل والقال. وعنده ولد اسمه يوسف في الإعدادية، محتاج برضه قلب حنين يراعي بيته.. إيه رأيك يا بنتي لو نجمع الحلال؟”