وجع لا ينتهى ٢

بقلم امانى سيد

عدت الليلة دي وأنا صاحية، عيني منشفتش من الدموع، بس على أد ما كان فيه حزن، على أد ما كان فيه بركان بيغلي جوايا. مع أول ضوء للنهار، حسيت إن فيه حاجة اتقطعت من جدرها.. الخوف اللي كان مكلبشني السنين اللي فاتت كلها عشان خاطر “البيت” و”الابن” مات. مات مع رزعة الباب وكسرة القاعة.

يوم الأحد الصبح، الباب فتح ودخل جوزي.. كان باين عليه الانبساط، وريحة التفاؤل والراحة طالعة منه وهو راجع من عندها بعد ما قضوا أيامهم يعيدوا ذكرياتهم. بصلي ولقاني قاعدة بنفس فستان الفرح، منمتش، وشنطة هدومي الصغيرة محطوطة جنب رجلي على الأرض.

عقد حواجبه وبصلي بضيق وقال: “جرى إيه يا نجوى؟ أنتِ لسه بقرفك ونكدك ده؟ منمتيش ليه؟ وايه الشنطة دي.. عايرانا بإيه على الصبح؟”

وقفت على رجلي.. ولأول مرة في حياتي أبص في عينه ومتهزش. قولتله بصوت هادي، هادي لدرجة رعبته هو شخصياً: “طلقني يا ابن الناس”.

بصلي بذهول، وبعدين ضحك باستهزاء وقال: “تصدقي إنك فاضية؟ طلاق إيه يا أم شريف اللي بتتكلمي عنه في السن ده؟ اعقلي وبطلي جنان، كبرنا على الكلام ده”.

قولتله وأنا برفع راسي لفوق: “متقوليش يا أم شريف.. شريف ابن سلوى، مش أنت والناس قولتوا كده في الفرح؟ شريف ابن الفلوس والمظاهر والشبكة الدهب والشقة العالبحر.. أنا من النهاردة نجوى وبس. نجوى اللي ملهاش هنا لا زوج يتقي الله فيها، ولا ابن يسندها لما تكبر. أنا طلبت الطلاق بالمعروف، ورقتي توصلي، والبيت ده بأي حاجة فيه حلال عليك وعلى ست حسنك.. أنا خارجة برة حياتكم خالص”.

وشه اتغير وبدأ يتعصب وقال: “أنتِ اتجننتي رسمي؟ هتخرجي تروحي فين؟ ومين هيخدمك ولا يشيلك وأنتِ لوحدك؟ شريف لو عرف بالمهزلة دي مش هيسامحك!”

ضحكت.. ضحكة طالعة من وسط الوجع بس مليانة قوة: “شريف؟ شريف مش فاضيلي، شريف وراه خروج وفسح مع ماما سلوى وعروسته الأكابر.. ومين يشيلني؟ اللي شالني وأنا بموت قهر في قاع القاعة ومحدش حاسس بيا هو اللي هيشيلني. أنا عشت ليكم، وشقيت عشانكم، وكنت الدادة والحاضنة والخدامة اللي بتداري عياك وتغسل قرفك وفي الآخر تترمى.. النهاردة بقا، أنا هعيش لنفسي. للي باقي من عمري وصحتي اللي هريتها على ناس متستاهلش”.

وطيت خدت شنطتي في إيدي، وبصيت للشقة للمرة الأخيرة.. الشقة اللي كانت سجن لروحي السنين دي كلها.

بصيت لجوزي اللي كان واقف مذهول ومبرق، ومش متخيل إن الست الطيبة المكسورة ممكن تقف الـوقفة دي، وقولتله: “حقي عند ربنا مش مسامحة فيه، لا منك ولا من ابنك.. ورقتي توصلي لبيت أبويا”.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *