جواز صالونات ٣
حكايات رومانى مكرم
فتحت الباب والشنطة وقعت من إيدي، تامر كان واقف ووشه أصفر وبيتنفّس بصعوبة، مسكني من قميصي وهو بيترعش:
“أحمد.. المستشفى كلمتني.. طنط إلهام حالتها تدهورت فجأة والنبض وقف، ودلوقتي بيعملوا لها إنعاش قلبي رئوي في الرعاية.. لازم نروح حالاً!”
الكلام نزل عليا كأنه حيطة وتهدت فوق دماغي. مريم مكنتش لسه نامت، كانت واقفة ورايا على باب الأوضة وسامعة كل كلمة. شفت في عينيها النظرة اللي كنت خايف منها.. نظرة الروح اللي بتتسحب من صاحبها. مفيش صراخ، مفيش عياط.. هي بس حطت إيدها على قلبها ووقعت في الأرض زي ورقة الشجر.
شلتها وأنا حاسس إن الدنيا كلها بتتهد فوق سقف طموحاتنا. تامر جرى معايا، نزلنا السلم كأننا بنسابَق مع المــ,,ـــــوت، ركبنا العربية وطول الطريق كنت بسوق وعيني بتروح بين الطريق وبين مريم المرمية في الكنب اللي ورا وتامر بيحاول يفوقها. كنت بقول في سري: *يا رب.. أنا عاقبتني بالندم وشفت غباوتي، بس هي ذنبها إيه؟ طهرها ده يستاهل تجازيها فيه؟ يا رب متكسرش ضهرها بأمها.*
وصلنا المستشفى، دخلنا جري على الرعاية المركزة. الممر كان مقلوب، والدكاترة جوه الأوضة سامعين صوت جهاز الصدمات الكهربائية وهو بيدي الإشارة.. “طااااخ”.. والصوت الصفارة المتصل اللي يعلن توقف القلب “بييييييييييب”.
مريم كانت فاقت، زقت تامر وزقتني وجريت على باب الزجاج بتاع الرعاية، بدأت تضــ,,ـــــرب عليه بإيديها وتصرخ بصوت شرخ جدران المستشفى:
“أميييييي!! لأ يا أمي متمشيش وتسبيني!! أنا لسه محتجاكي.. مين هيشيلني ومين هيدعيلي في مرضي؟ أمييييي!”
الدكتور خرج والبدلة بتاعته متبهدلة وعرقه سايح، بص للزملاء اللي جوه وهز راسه بيأس.. قرب من مريم وحط إيده على كتفها وهو بينهج:
“البقاء لله يا بنتي.. شدوا حيلكم.. الجلطة التانية كانت عنيفة والقلب مستحملش الصدمة.”
الدنيا اسودت تماماً. مريم مفيش ثانية ووقعت بين إيديا غايبة عن الوعي. الدكاترة جريوا عليها، والممرضين أخدوها على أوضة الطوارئ. أنا وتامر كنا واقفين في الممر.. تامر دفــ,,ـــــن وشه في الحيطة وبدأ يعيط بحــ,,ـــــرقة، وأنا كنت واقف مشلول.. الشقة راحت، وحماتي اللي كانت هتبقى السند لمريم ماتت، ومراتي بين الحياة والمــ,,ـــــوت بتواجه مرض خبيث وضغط يهد جبال.
—
عدت ساعات الجنازة والدفــ,,ـــــن كأنها كابوس طويل وممل ومؤلم. كنت واقف في المدافن بأخد العزا وأنا عقلي مش معايا.. عقلي في المستشفى مع مريم اللي محجوزة تحت الملاحظة وممنوع عنها الحركة لأن المناعة بتاعتها نزلت الأرض من كتر الحزن والضغط، والجرعة بتاعتها اتأجلت لإن جسمها مش هيستحمل الكيماوي دلوقتي.