اتسمّرت مكاني والدم هرب من عروقي وأنا باصة للست اللي واقفة قدامي. كانت لابسة عباية استقبال شيك جداً، وريحة برفانها سبقتها للمكان، وفي إيدها نفس العلبة القطيفة اللي كوت قلبي من أسبوعين. بصتلي من فوق لتحت بابتسامة هادية كلها ثقة، وقالت بصوت ناعم ومستفز: "أنا ريهام، ضرتك يا هناء.. مش هتدخليني ولا هنتكلم على الباب والناس رايحة وجاية؟" جسمي كله كان بيرتعش من الغيظ، وكان نفسي أمد إيدي أجيبها من شعرها وأرميها بره السلم، بس كبريائي منعني أبين ضعفي قدامها. رجعت خطوة لورا وقولت بنبرة حاشفة: "ادخلي.. وريني جاية لغايت عندي عايزة إيه." دخلت بكل برود، وبصت على الصالة المتواضعة بتاعتنا بنظرة سريعة، وبعدين قعدت على الكنبة وحطت رجل على رجل، وحطت علبة الذهب على الترابيزة اللي بيننا. أنا ميرضيتش أقعد، فضلت واقفة ومربعة إيدي وقولت: "خير يا ست ريهام؟ جاية تفرجينا على ذوق مصطفى الجديد في بيتي؟" ضحكت ريهام ضحكة خفيفة وقالت: " لأ خالص يا هناء، أنا مش جاية أضايقك، أنا جاية أصلح غلطة مصطفى عملها. الطقم ده مصطفى جابهولي شبكة، بس أنا لما عرفت إنه جابه من وراكي وجاي يغيظك بيه، رفضت ألبسه. أنا بنت سوق وعارفة الأصول، وأبويا علمني إن مال الراجل لبيته الأولاني وأولاده." بصيت للعلبة وبصيت لها بشك: "يعني إيه؟ جاية تدهولي صعبانية عليا؟" ريهام ملامحها جِدت وقامت وقفت وقربت مني: "لأ، مش صعبانية. أنا جاية أقولك كلمتين لوجه الله عشان المركب تمشي. مصطفى مبيكرهكيش يا هناء، مصطفى اتجرح في رجولته. الراجل لما يقع ويلاقي مراته بتأمن نفسها منه وكأنه غريب، بيموت جوا حاجة ناحيتها. أنا وقفت معاه، وأبويا وقف معاه وشغلنا فلوسنا معاه، وشفت في عينيه الكسرة وهو بيمضي على وصلات أمانة عشان يحمي بيته وعياله اللي هما عيالك! أنا اتجوزته وهو على الحديدة وقبل ما ورث الأرض يظهر ويتحل.. يعني مأطمعتش فيه." سكتت لحظة وبصت في عيني وتابعت: "هو النهاردة معاه ملايين، ومستعد يرمي لك الفلوس تحت رجلك بس مش هيديكي قلبه. أنا مش جاية أخد مكانك، أنا ليا بيتي وهو ليه ليلتين عندك وليلتين عندي، بس نصيحة مني.. بطلي النكد وبطلي تسمعي لكلام مامتك، لأن مامتك خربت بيتك وهي فاكرة إنها بتحميكي. انزلي هاتي دهبك من عندها، وحطيه قدام مصطفى، وقوليله أنا غلطت.. الراجل بيكبر بالكلمة الحلوة، مش بالعناد." سابت العلبة على الترابيزة، ولمت شنطتها وبصتلي بابتسامة هادية: "فكرتيني هكون ضرة شريرة؟ لأ يا هناء، الدنيا مش كده. مصطفى جوزي زي ما هو جوزك، وأنا عايزة أعيش في هدوء. الطقم ده بتاعك، مصطفى دفن جرحه فيه، وانتي لازم تداوي الجرح ده لو عايزة جوزك يرجعلك." مشيت ريهام وقفت الباب وراها، وأنا فضلت واقفة في صمت قاتل. كلامها نزل عليا زي الماية الباردة.. الست اللي كنت فاكراها جاية تشمت، طلعت أعقل مني ومن أمي! شلت العلبة فتحتها، الذهب كان بيلمع، بس المرة دي مكنش بيوجعني، كان بيفوقني. لبست عبايتي ونزلت جري على بيت أمي من غير ما أقول لها إني جاية. فتحت الباب بالمفتاح اللي معايا ودخلت، لقيت أمي قاعدة مع خالتي وخالي بيشربوا شاي. أول ما شافوني وشافوا علبة الذهب في إيدي، أمي وقفت وقالت: "إيه ده يا هناء؟ مصطفى رجعلك الطقم؟ قولتلك بيلعب بأعصابك!" بصيت لأمي ونظراتي كانت مليانة عتاب وندم، وقولت بصوت عالي سكت الكل: "لأ يا أمي، مش مصطفى اللي رجعه.. مراته الجديدة هي اللي جابتهولي لغاية عندي وعلمتني الأدب والأصول اللي المفروض كنت أتعلمها هنا! مراته اللي وقفت معاه وهو مكسور، في الوقت اللي انتي قولتلي فيه خبي حاجتك وقوليله اتسرقت!" أمي اتقدمت مني بزعل: "انتي بتعلي صوتك عليا عشان راجل؟ أنا كنت بحميكي!" قاطعتها وأنا بفتح دولابها وبطلع الشنطة القطيفة اللي فيها دهبي وفلوس الجمعية: "كنتي بتخربي بيتي يا أمي! الدهب ده والأمان اللي كنت خايفة عليه، هما اللي خسروني جوزي وكرامتي. مصطفى مكنش حرامي، مصطفى كان أبو عيالي." أخدت حاجتي ونزلت وأنا سامعة صوات أمي ودعاءها عليا ورايا، بس مكنش يهمني غير حاجة واحدة.. إني ألحق اللي باقي من بيتي. رجعت الشقة، حطيت دهبي وفلوس الجمعية، وحطيت فوقيهم الطقم اللازوردي على السرير، وقعدت جنبه مستنية مصطفى يرجع. الساعات كانت بتمر وكأنها سنين، لحد ما سمعت صوت مفتاحه في الباب.. دقات قلبي بقت مسموعة، ومصطفى دخل الأوضة وعينيه متفاجئة من المنظر.. حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم مصطفى وقف عند باب الأوضة، عينه راحت على السرير وعقد حواجبه بذهول وهو شايف دهبي القديم، وفلوس الجمعية، وفوقيهم علبة الطقم اللازوردي مفتوحة. بصلهم لثواني طويلة، وبعدين نقل نظرته ليا وهو لسه واقف مكانه، ملامحه رجعت لبرودها القاتل وسألني بنبرة ناشفة: "إيه ده يا هناء؟ بتفرجينا على أمانك وتحويشة عمرك؟ ولا جاية تقوليلي إن الجيش قالك اتصرفي تاني؟" قومت من على السرير، رجليا مكنتش شايلاني، وقربت منه خطوة خطوة والدموع مغرقة وشي. مسكت إيده اللي كانت ناشفة وباردة، وحاولت أشبث فيها زي الغريق: "أنا أسفة يا مصطفى.. أسفة على كل لحظة عاندت فيها معاك، وعلى كل كلمة وجعتك وزودت همك. أنا غلطت لما سمعت كلام أمي وخفت من الزمن، ونسيت إنك انت زمني وأماني. الدهب ده شيلته من وراك في دولاب أمي، والنهاردة أنا روحت جبته غصب عن الكل وجيت أحطه تحت رجلك.. أنا مش عايزة أمان من غيرك يا أبو عيالي." مصطفى سحب إيده من بين إيديا براحة، النظرة اللي في عينيه مكنتش غضب، كانت وجع ملوش آخر. مشي ناحية السرير، مسك غويشة من غوايشي القديمة وبص لها، وقال بصوت واطي ومكتوم: "الدهب ده، كنت بشوفه في إيدك زمان وأنا بشتغل طافح الدم وأقول الحمد لله إن شقايا باين على مراتي.. ويوم ما الدنيا ضلمت في وشي، وسألتك تنجديني بيه، حسيتك بتبصيلي كأني غريب، كأني نصاب جاي أسرقك.. جرحتيني في رجولتي يا هناء، والراجل لما يتجرح في رجولته من أقرب الناس ليه، مبيعرفش يرجع زي الأول." بص للعلبة القطيفة الحمراء وكمل بسخرية: "وطقم لازوردي؟ ريهام هي اللي جابتهولك صح؟" هزيت راسي وأنا بشهق من البكاء: "آه.. هي اللي جاتلي، وفتحت عيني على غبائي." مصطفى رمى الغويشة على السرير وتنهد تنهيدة طويلة خرجت من ضلوعه: "ريهام بنت أصول، وعارفة يعني إيه راجل مكسور وسندته.. أنا مش هظلمها، ومش هطلقها يا هناء، هي وقفت معايا في عز دمعتي وانتي اتخليتي عني. بس أنا مش هظلمك انتي كمان ولا هظلم ولادي.. الدهب بتاعك ده شيليه في دولابك هنا في بيتك، مش عند أمك.. والفلوس والجمعية خديها ليكي ولعيالك، أنا مابقتش محتاج مليم من حد.. أنا بقيت في حتة تانية خالص." قرب مني ومسح دمعة نازلة على خدي بصباعه، بس النظرة كانت لسه باردة: "البيت ده هيفضل مفتوح، ومصاريفكم هتوصلكم لغاية عندكم وزيادة، وأنا هعدل بينكم في الأيام بما يرضي الله.. لكن متطلبيش مني أرجع مصطفى القديم، لأن مصطفى ده انتي وأمك دفنتوه بإيديكم." سابني وخرج من الأوضة، وسمعت صوت باب الشقة وهو بيقفل وراه.. نزل وراح لها، سابني مع دهبي وفلوسي اللي كنت بعبد الصنم بتاعهم، بس المرة دي وأنا كسبانة المال.. وخسرانة الراجل. مر شهرين، والوضع مشي على الحبل المشدود. مصطفى بقى يجي ليلتين في الأسبوع زي ما قال، بيبوس العيال، بيقعد معاهم، بيجيب كل طلبات البيت وبزيادة، ولما يدخل أوضتي، بيبقى عامل زي الغريب.. كلامه على قد السؤال والإجابة، مفيش نظرة حب، مفيش ضحكة من القلب، مفيش أي عتاب.. السكوت كان بيقتلني بالبطيء. في يوم، وأنا قاعدة في المطبخ بجهز الغدا، لقيت تليفوني بيرن برقم غريب.. رديت وجالي صوت مرعوب وبيتنفض: "مدام هناء؟ الحقيني يا مدام هناء.. أنا ريهام!" قلبي وقع في رجلي، وقولت بلهفة: "ريهام؟ مالك في إيه؟ صوتك ماله؟" قالت وهي بتبكي بهستيريا وصوت ضرب ونار وصراخ باين وراها في التليفون: "مصطفى يا هناء!.. مصطفى بيموت.. الأرض القديمة.. قرايب أبوه اللي كانوا عاملين مشاكل عليها ورفضوا البيعة هجموا علينا في شقة وسط البلد ومعاهم سلاح.. مصطفى أخد الرصاصة بدالي وهو سايح في دمه قدامي دلوقتي.. الحقيني أنا مش عارفة أتصرف!" الخط قطع، والتليفون السمعة وقعت من إيدي على الأرض، والدنيا لفت بيا.. مصطفى؟ رصاص؟ دم؟