الطمع حكايات رومانى مكرم 5
وقفت صباح وسط الصالة، نظرت للشقة التي شهدت أيام زواجها الهادئة، ثم نظرت لمدحت وقالت والدموع تترقرق في عينيها:
* “مش مصدقة يا مدحت يا خويا.. رجل برة ورجل جوة، والطيارة فاضل عليها ساعات.. سبحان مغير الأحوال من حال إلى حال! كنا فين وبقينا فين!”
مدحت ابتسم واقترب منها، مسك إيدها بحنان وقال:
* “ربنا مب يضيعش حق حد يا بنت الأصول. أنتي صنتي الأمانة ورضيتي بالقليل، فربنا عوضك بالخير كله. أستراليا مستنيانا، وهناك هنبدأ حياتنا من جديد، عيلة واحدة في ضهر بعض، والـ 2000 دولار اللي كانوا هنا بيعملوا مشاكل، هناك هيربوا العيال في أحسن عيشة.”
منة ونورا جريوا عليهم واحتضنوهم، والضحكة صافية وطالعة من القلوب لأول مرة من سنين.
### المواجهة الأخيرة على عتبة السفر
نزل الجميع إلى الشارع، حيث كانت سيارة الأجرة الكبيرة تنتظرهم لتنقلهم إلى مطار القاهرة الدولي. وضع السائق الحقائب في الحقيبة الخلفية، وركبت البنات وهما ينظران من النافذة بشوق للمستقبل.
وقبل أن تركب صباح بجانب مدحت، لمحت من بعيد سيدة تقف على أول الشارع، ترتدي عباءة سوداء دبلانة، ووجهها شاحب وعيناها مليئتان بكسرة غريبة مخلوطة بالذهول.. لقد كانت “سعاد”!
سعاد عرفت بطريقتها موعد السفر، وجاءت لتلقي النظرة الأخيرة. لم تأتِ هذه المرة بالشر أو النار، بل جاءت مكسورة بعد أن علمت بالصدفة من أخوها أن الـ 5000 جنيه التي تصلها كل أول شهر وتستر بيتها، ليست من فاعل خير مجهول، بل هي من عرق جبين مدحت وبأمر وتنازل من أختها صباح!
الدموع نزلت من عيني سعاد وهي تشوف أختها صباح بتركب العربية في طريقها للمطار وللعز، والدهب والـ 2000 دولار اللي اتقاتلت عليهم وطردت أختها بسببهم، بقوا من نصيب الست الطيبة اللي صانت الأمانة.
صباح وقفت، وبصت لأختها سعاد نظرة طويلة.. مكنش فيها شماتة، ولا كان فيها غل، كانت نظرة عتاب حنينة ودعوة بالهداية. أشارت لها بيدها وكأنها تودعها وتسامحها على كل ما فات.
سعاد غطت وشها بإيديها وانفجرت في العياط من الندم والقهر، وحست إن الحقد اللي كان مالي قلبها اتحول لنار أكلت نفسها بس، وضيعت منها جوزها وبنتها وعزها.
### في أعالي السماء
تحركت السيارة نحو المطار، وفي الموعد المحدد، صعدت العائلة إلى الطائرة. ومع إقلاع الطائرة في السماء، نظرت صباح من النافذة إلى بيوت مصر التي تصغر شيئاً فشيئاً، وقالت في سرها: “الحمد لله.. يغني الله من فضله”.
مدحت كان يجلس بجانبها، وبناتهم نائمات في المقاعد الخلفية بسلام، والطائرة تشق السحاب نحو بلاد الغربة، حاملةً معها قلوباً تطهرت من الظلم، ونفوساً انتصرت بالخير والأصالة.