يوم فرحي، ابن عمي قرب من عريسي وهمس في ودنه وقال: مبروك عليك بنت عمي والسر اللي مخبيينه عليكم.. لاقيت جوزي بيبصلي بذهول وغضب، وقالي بصوت عالي وسط القاعة اللي مليانة ناس: "أنتي طالق".. بقيت واقفة مذهولة مش عارفة في إيه، ولا أنا اتطلقت ليه. أمي لطمت على وجهها من الصدمة، وأبويا بقي مش قادر يقف وسط الناس، مش مصدق أن بنته اتطلقت في قلب فرحها. القاعة سكتت فجأة.. لدرجة إني كنت سامعة صوت دقات قلبي. الموسيقى وقفت، والناس كلها اتجمدت في أماكنها، والعيون كلها بقت متسلطة عليا أنا وعريسي اللي لسه رامي كلمة "طالق" وكأنها قذيفة حطمت حياتي. بصيت لعريسي، كان وشه شاحب وشفايفه بتترعش من الغضب. التفتت لابن عمي، لقيته واقف ورا، حاطط إيده في جيبه، وعلى وشه ابتسامة باردة ومستفزة، ابتسامة حد عارف حاجة تانية غير اللي ظاهرة للناس. أمي وقعت على الكرسي والدموع محبوسة في عينها، وأبويا واقف زي الجبل اللي انهد، باصص للأرض، مكسور لأول مرة في حياتي أشوفه بالضعف ده. صوت عريسي رجع يتردد في ودني تاني لما قرب مني ووشوشني بصوت مبحوح، صوت مكنش فيه أي حب ولا رحمة، كان فيه رعب: "كفاية تمثيل براءة.. اللي عملتيه مش هيعدي بالساهل، والسر اللي كنتوا مخبينه عليا عشان أبوكي يداري عارك اتكشف.. المغفل فاق، وأنا عرفت والحمد لله أنكم اتكشفتوا في الوقت المناسب قبل ما أتورط فيكي أكتر"، وسابني ومشي. مشيت خطوة لورا، كنت عايزة أصرخ، أقولهم إن دي كذبة، إني معرفش هو بيتكلم عن إيه. بس قبل ما أنطق حرف، لقيت ابن عمي بيقرب مني تاني، ووسط اللخبطة اللي حصلت في القاعة، حط في إيدي ورقة صغيرة مطبقة، وهمس في ودني بكلمة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي: "افتحيها لما تخرجي من هنا.. لو عايزة تتستري وكل ده يعدي وتعرفي ترفعي راسك تاني في وسط الناس". أبويا قام ببطء، مسك إيدي وشدها، وخرجنا من وسط نظرات الناس اللي كانت بتحاصرنا، ومن وسط همساتهم اللي بقت أعلى من صوت الموسيقى. ركبنا العربية، والسكوت كان مسيطر علينا كلنا من الصدمة، بس أنا كنت حاسة إن حياتي انتهت. فتحت إيدي ببطء وأنا ببص في المرايا، لقيت ابن عمي واقف عند باب القاعة، بيبصلي وبيهز راسه، وكأنه شمتان. فتحت الورقة، وعيني وقعت على أول جملة فيها.. جملة خلتني أقول لأبويا وقف العربية، وأبص له وهو بيسوق، وأقوله: "وقف العربية يا بابا.. وقفها حالاً!" صرخت بصوت مبحوح، والورقة في إيدي بتترعش. أبويا فرمل فجأة لدرجة إننا اندفعنا للأمام، بصلي وعينيه غايرة من الصدمة، ملامحه ميتة، لا عتاب ولا غضب، مجرد انكسار. بصلي بصة خلت روحي تتسحب مني، وقال بصوت واطي ومكسور: "عايزة إيه يا بنتي؟ عايزة إيه تاني بعد اللي حصل؟ الناس نهشت في سيرتنا، وبنتك اتطلقت في الكوشة، وسمعتنا في الأرض.. فيه إيه تاني ممكن يحصل؟" قربت الورقة من عيني، الحروف كانت بتتحرك قدامي، قريت الجملة اللي مكتوبة بخط إيد ابن عمي "سالم": "الحقيقة مش في اللي جوزك فاكره.. الحقيقة في اللي أبوكي خايف يقوله عن ليلة الحادثة اللي مات فيها أخوكي". الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة، وبصيت لأبويا اللي بدأ جسمه يترعش، إيديه سابت الدركسيون، ووشه بقى شاحب. بصلي في مرايا العربية، وبصته دي كانت كفيلة تأكد لي إن الكلام ده مش مجرد تهديد، ده إقرار بذنب. "بابا.. إيه علاقة موت أخويا بالسر اللي ابن عمي بيهدد بيه؟ وأي عار ده؟" لمحة نيوز أبويا مردش، كان بيبص للطريق والدموع بدأت تنزل على خده. لأول مرة أشوف الراجل اللي كنت شايفاه سوبرمان بيعيط. صرخت فيه تاني: "انطق يا بابا! ليه سالم بيقول كده؟ وليه جوزي سابني وهو مقتنع بإن فيه فضيحة من غير ما حتى يواجهني؟" أبويا مسح وشه بإيده، وطلع زفير طويل، وبصلي بصة كلها خوف وقلق: "سالم مش بيلعب يا بنتي، سالم معاه مفاتيح حياتنا في إيده، وموت أخوكي مكنش قضاء وقدر زي ما فهمنا الناس.. ده كان تمن سكوتنا، وتمن غلطة بدأت من سنين، واليوم ده، سالم قرر يفتح الحساب اللي مكنش حد فينا عايز يفتحه". سكتت، والكلمات وقفت في زوري، كنت حاسة إني في كابوس، ولقيت موبايلي بينور في إيدي برقم سالم، بيبعت رسالة قصيرة: "تعالي لي على المكان اللي أنتي عارفاه، لو عايزة تعيشي بكرامتك". سحبت نفسي من العربية وخرجت، أبويا نادى عليا بصوت ضعيف "رايحة فين يا بنتي؟"، بس أنا مكنتش سامعة غير دقات قلبي اللي بتنادي على الحقيقة المدفونة من سنين. مشيت للمخزن القديم بتاع جدنا، فتحت الباب بصعوبة، لمحت خيال سالم واقف في آخر المخزن، كان بيدخن سيجارته ببرود، ولما شافني طفاها وبدأ يقرب مني بهدوء، مشية واثق إن الفريسة بقت في إيده. "نورتي يا بنت عمي.. كنت عارف إنك هتيجي، الفضول دايماً بيبقى أقوى من الخوف، مش كده؟" رديت عليه وصوتي متقطع: "أنت عملت فيا إيه يا سالم؟ إيه اللي كتبته في الورقة ده؟ وإيه حكاية أخويا اللي ميت من سنين؟ انطق!" ضحك سالم وقال: "أخوكي ممتش في حادثة طريق زي ما أبوكي فهمكم، أخوكي كان بيكتشف إن أبوكي وأبويا كانوا شركاء في تجارة مشبوهة، ولما حب يبلغ عنهم، كان لازم يخلصوا عليه.. واللي ساق العربية وخبط أخوكي كان أبوكي بنفسه عشان يداري على نفسه، وأنا كنت الشاهد الوحيد اللي مسكت عليهم الدليل". جسمي اتصلب، لقيت صوت حد بيزق باب المخزن بقوة، كان أبويا، في إيده أداة معدنية بتلمع تحت ضوء الشمس، صرخ أبويا: "كفاية لحد كده يا سالم.. اللعبة خلصت، والنهاردة يا أنا يا أنت". سالم مكنش خايف، طلع موبايله وقال بصوت عالي: "ابعد يا عمي.. أنا مسجل كل اعترافاتك من يوم ما دخلت المخزن ده.. اختار بقى، يا إما بنتك ترجع تعيش كأن مفيش حاجة حصلت، يا إما الفضيحة اللي هتخلي الكل يعرف إن أبوها قاتل أخوها!" أبويا وقف متجمد، ونظرة الوحش اللي كانت في عينيه اتحولت لنظرة انكسار مهين. سالم كان واقف زي القاضي اللي بيوزع أحكام بالإعدام. "نزل اللي في إيدك يا بابا.. نزلها، مش ده اللي هيحل المشكلة". قلتها بصوت مخنوق وأنا بقرب منه، أخدت منه الأداة اللي في إيده ورميتها على الأرض. رميتها وأنا حاسة إني برمي معاها كل ذكرياتي الحلوة عنه، كل صورة كنت راسمها لأبويا الشهم. بصيت لسالم وقلت بثبات: "أنت فاكر إنك كسبت؟ أنت فاكر إنك لما تذلنا بالماضي، هتقدر تتحكم فينا؟ أنت واحد استغل سر عشان يعيش ميت سنين، بس نسيت حاجة واحدة.. الميت اللي مات عشان الحقيقة، ساب وراه أخت مش هتسكت على دم أخوها". سالم ضحك، بس الضحكة المرة دي كانت ناقصة. كملت وأنا بقرب منه: "جوزي طلقني عشان صدق كذبتك، وده معناه إن مفيش حاجة تانية أخاف عليها. لا سمعة، ولا جوز، ولا حياة هادية" . سحبت الموبايل من إيده بحركة سريعة، سالم اتفاجئ وحاول يشدني، بس أنا جريت ناحية الباب، ووقفت بصلته وبصيت لأبويا وقلت: "الموبايل ده عليه كل حاجة، صح؟ لو هو ده مفتاحك، يبقى هو ده اللي هيوديك في داهية". رميت الموبايل بكل قوتي على الأرض، وكررت الخطوة دي لحد ما اتهشم تحت قدمي. سالم اتجنن، هجم عليا، بس أبويا فاق، وطلع قوته اللي اتبقى منها شوية، ووقف قدام سالم، زقه لورا وصرخ فيه: "كفاية يا سالم! لو عايز تبلغ، بلغ.. القاتل أهو قدامك، بس لو قربت من بنتي تاني، ما هرحمك! روح للبوليس، أنا مستعد أدفع تمن غلطتي، بس ابعد عن بنتي.. حياتها هي اللي باقية لي". سالم بص لنا بحقد وقال بصوت مسموم: "فاكر إن كسر الموبايل ينهي الموضوع؟ أنا عندي نسخ تانية.. وأوعدك، إن بكرة الصبح، الدنيا كلها هتعرف الحقيقة". سالم سابنا ومشي، وأبويا وقع على ركبه، دفن وشه بين إيديه، وبدأ ينهج. كنت واقفة بتفرج عليه، مش عارفة أكرهه، ولا أشفق عليه، ولا أبكي على حالي.. اللي أعرفه إن الليلة دي مش هتعدي، وإننا بقينا في سباق مع الزمن. #انجي_الخطيب