وقفت ورا باب الأوضة، باصة من فتحة صغيرة على المطبخ. ياسر وهند كانوا عايشين اللحظة وكأن البيت فضي ليهم تماماً. هند كانت بتتحرك بدلع، وياسر عينه مش نازلة من عليها، وبيتكلموا بصوت واطي كله همس وضحك مستفز. فتحت موبايلي وبعت الرسالة للشخص اللي اتفقت معاه.. "المسرح جاهز، ابدأ." الشخص ده مكنش غريب، دي كانت (سحر)، أخت هند الكبيرة. سحر كانت بتشتغل عند واحدة صاحبتي من سنين، ومعروفة بأمانتها وجدعنتها، وكنت عرفت منها بالصدفة قبل كده إن هند بنت متعبة ومطامعها كتيرة، بس مكنتش أتخيل إن مطامعها هتوصل لبيتي وجوزي. لما كلمت سحر بالليل وحكيت لها وأنا بنهار، سحر اتصدمت وقالت لي بالحرف: "هند دي لازم تتربى يا ست روفيدة، وأنا معاكِ في أي حاجة، لأن اللي بتعمله ده خراب بيوت وهيجرّ لينا العار." الخطة مكنتش مجرد مواجهة تانية تخليني أبان ضعيفة، الخطة كانت إني ألاعب ياسر بنفس أسلوبه.. البرود والنرجسية. خرجت من الأوضة بخطوات هادية، ملامح وشي كانت خالية من أي تعبير. أول ما شافوني، هند اتعدلت بسرعة وحاولت تبان طبيعية، أما ياسر فبصلي ببرود وقالي: "إيه يا روفيدة، لسه دايخة؟ ولا تحبي تعمليلنا فنجان قهوة معاكِ؟" رديت بنبرة هادية جداً وصوت واطي: "لا يا ياسر، أنا بقيت أحسن. وفعلاً فكرت في كلامك ولقيت إن عندك حق.. أنا الفترة اللي فاتت قصرت غصب عني، ومادام هند مريحاك في البيت وبتشيل الشغل، مفيش مشكلة تفضل موجودة." ياسر عينه وسعت من الصدمة، مكنش متوقع الاستسلام السريع ده. هند بصت لي بنظرة استعلاء وكأنها بتقول لنفسها "كسرت عينها". ياسر ابتسم بثقة وقالي: "أهو ده الكلام العاقل.. أنا قولت برضه إنك بتفهمي، والراجل مننا لما بيلاقي راحته في بيته مبيتطلعش برة." سيبتهم ودخلت الصالة، قعدت وأنا بتابع اللعبة بتتلعب صح. ياسر نزل على شغله بعد شوية وهو حاسس إنه ملك زمانه، وإنه قدر يفرض شروطه عليا ويخليني أقبل بوجود الست التانية في بيتي. أول ما الباب اتقفل، هند بدأت تتحرك في البيت بغرور، ومبقتش حتى بتعمل نفسها بتشتغل. قعدت على الكنبة وطلعت موبايلها. مشيت ناحيتها وبقيت واقفة فوق راسها. بصت لي ببرود وقالت: "عوزة حاجة يا ست روفيدة؟ أصل سي ياسر قالي مجهدش نفسي في الشغل التقيل." قعدت في الكرسي اللي قبالها، وربعت إيدي، وقولت لها بابتسامة مرعبة من كتر هدوءها: "لا يا هند، مش عوزة شغل خالص.. أنا بس عوزاكي تركزي معايا في الكلمتين دول." ملامحها بدأت تتغير والبرود اللي في وشها اتهز لما شافت نظرة عيني اللي مكنش فيها أي أثر للمنوم ولا للضعف. في اللحظة دي، جالي إشعار على الموبايل من سحر.. "أنا تحت البيت وجايبة معايا المفاجأة." وقفت وفتحت باب الشقة، دخلت سحر وأول ما هند شافتها اتنفضت من مكانها والموبايل وقع من إيدها، والدم هرب من وشها تماماً. بس الصدمة الأكبر لهند مكنتش في سحر.. الصدمة كانت في الراجل اللي دخل ورا سحر وهو وشه وعيونه طالع منها شرار؛ (الحاج توفيق) أبو هند! سحر كانت قايلة لأبوها إن هند بتشتغل في بيت ناس محترمين، ولما عرفت باللي بتعمله، جابته وجت عشان يشفوا الفضيحة بنفسهم. أبوها راجل صعيدي طاعن في السن، بيجري على لقمة العيش بشرف، وميتحملش العار. أول ما شافها بالمنظر ده والمكياج والفستان، مشي ناحيتها بخطوات زلزلت الأرض، ونزل على وشها بقلم سـ*ـمع في كل أركان الشقة، وجابها من شعرها الأرض وهو بيصرخ فيها بنبرة مخنوقة من القهر: "دي الأمانة اللي بتصونيها يا فاجرة؟ جاية تخربي بيوت الناس اللي مشغلينك؟ وتتغندري لراجل غريب في غياب مراته؟" هند كانت بتصرخ تحت إيده وبتبصلي بنظرات رجاء وخوف مرعب، بعد ما كانت من كام ساعة بتبصلي بقمة الاستعلاء والشماتة. سحر كانت واقفة بتعيط على خيبة أختها، وأنا كنت واقفة مربعة إيدي وببص لهم بمنتهى الثبات. قولت للحاج توفيق بنبرة هادية ومسموعة: "يا حاج توفيق، بنتك استغلت مرضي وغيابي عن الوعي بالمنوم، ودخلت بيتي باسم الشغل وهي عينيها على جوزي وعلى مكاني. وجوزي كمل معاها وفهّمني إنها بقت صاحبة المكان." أبوها وطى خد موبايلها من الأرض، وحلف يمين إنه مش هيرحمها، ولمّ حاجتها ورماها في الشنطة وهو بيجرّها من إيدها زي الذبيحة. بصتلي سحر ودموعها في عينيها وقالت: "سامحينا يا ست روفيدة.. حقك علينا، والكلب اللي عمل كده معاها حسابه معايا أنا كمان." خرجوا من البيت، وقبل ما الباب يقفل، كنت حاسة إن الروح بدأت ترد فيا والبيت اّتطهر من قرفهم. بس الحساب الكبير لسه مبدأش.. الحساب مع "سي ياسر" اللي مفكر نفسه ذكي ونرجسيته عمياه. مسكت الموبايل وكلمت ياسر، أول ما رد عليا بنبرته المستفزة المعتادة: "إيه يا روفيدة، هند جهزت الغدا ولا لسه؟" رديت عليه بابتسامة صامتة ونبرة باردة زي التلج: "هند مشيت يا ياسر.. مشيت ومش راجعة تاني. بس متقلقش، أنا جهزت لك مفاجأة تليق بيك وباللي عملته، ومستنياك تيجي عشان تشوف طلباتك بنفسك!" قفلت السكة في وشه قبل ما ينطق بكلمة، ودخلت أوضتي وبدأت أجهز الشنطة والمستندات اللي هتخليه يلف حوالين نفسه. رجع ياسر البيت بالليل، وشه كان مليان قلق وغضب مكتوم. دخل وهو بيلتفت حواليه بيدور على هند، وأول ما شافني قاعدة في الصالة وبمنتهى الهدوء وشنطة السفر الكبيرة جمبي، وقف مكانه وقال بنبرة حادة وصوت عالي: "يعني إيه هند مشيت ومش راجعة؟ إنتي طردتيها؟ أنا مش قولتلك الكلمة كلمتي في البيت ده؟" قمت من مكاني بكل ثبات، وبصيت في عينه مباشرة وقولتله: "أبوها وأختها اللي جوم خدوها من هنا وسحلوها في الشارع بعد ما عرفوا الفضيحة والخيانة اللي كنتوا بتعملوها في غيابي. البنت خلاص اتمسحت بكرامتها الأرض، ودلوقتي جه دورك إنت يا سي ياسر." ياسر وشه اتخطف ولونه خطف، بس كبرياؤه ونرجسيته خلوه يحاول يثور ويقول: "وإنتي فاكرة نفسك هتهدديني؟ إنتي طالقة يا روفيدة، والبيت ده بيتي، وأعلى ما في خيلك اركبيه!" ضحكت بسخرية وطلعت من الشنطة ملف صغير ورميته على التربيزة قباله وقولتله: "البيت ده إنت كاتبه باسمي من سنتين لما أخدت ورثي من أبويا وسددت بيه ديون شركتك اللي كانت هتوديك في داهية.. فاكر؟ والملف ده فيه صور لكل الشيكات والمستندات، وفوقيهم تسجيل صوتي محترم للي حصل بينك وبين هند في المطبخ، والرسالة اللي بعتها لأهلك ولأهلي ولكل معارفك في الشغل عشان الكل يعرف الراجل المحترم اللي مستحملش مرض مراته كام يوم ورايح يدلع نفسه مع الشغالة." ياسر انهار تماماً، عينه راحت على الملف وبدأ يقرا وعلامات الرعب ظهرت على وشه، نرجسيته اتهدت في ثانية، ونزل على ركبه يحاول يمسك إيدي ويتأسف: "أنا أسف يا روفيدة.. الشيطان غواني، إنتي عارفة إني بحبك ومقدرش أستغنى عنك، متخربيش بيتنا!" سحبت إيدي منه بمنتهى القوة والاشمئزاز، وشيلت شنطتي وقولتله وأنا بفتح باب الشقة: "البيت ده هسيبهولك أسبوع واحد بس تلم فيه حاجتك وتطلع منه، وقض*ية الطلاق والنفقة والتعويض هتوصلك للمحكمة.. إنت اللي قولتلي خدي حباية ونامي وسيبي اللي صاحي يعيش حياته، وأنا فعلاً صحيت، بس عشان أنهي وجودك من حياتي تماماً." خرجت وقبل ما أقفل الباب، سمعت صوت عياطه وندمه، بس مفيش ندم بيرجع ثقة اتكسرت، ولا بيشفي قلب اتقهر. > ### 💡 الحكمة من القصة: > **المرض والابتلاء هما المصفاة الحقيقية للبشر؛** فالمواقف الصعبة تكشف معادن الناس وتسقط الأقنعة الزائفة مهما طال وقت ارتدائها. > والأناني المستغل الذي يرى في ضعف شريك حياته فرصة للخيانات والتبريرات، لا يستحق البقاء ثانية واحدة، لأن من يبيعك في لحظة مرضك، سيبيعك في كل محطة صعبة من محطات الحياة. فالكرامة لا تقبل المساومة، والاستسلام للظلم باسم التسامح لا يورث إلا الهوان. >